شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (19) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق دور السبئية في نشوب الحرب بيْن الطرفين بعد ما اتفقا على الصلح، وذكرنا بعض الأحداث التي وقعتْ في موقعة الجمل، وكيف تعامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مع جيش البصرة بعد انتهاء المعركة.

ونستكمل اليوم ما حدث بعد انتهاء المعركة.

نداء أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بعد الحرب:

وبعد أن هدأت الأمور وانتهت الحرب، وأُخرجتْ أم المؤمنين عائشة مِن الميدان، نادى منادي علي: أن لا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا مدبرًا، ولا يدخلوا دارًا، ومَن ألقى السلاح فهو آمن، ومَن أغلق بابه فهو آمن، وليس لجيشه مِن غنيمة، ونادى منادي أمير المؤمنين فيمن حاربه مِن أهل البصرة مَن وجد شيئًا مِن متاعه عند أحدٍ مِن جنده؛ فله أن يأخذه.

وقد ظن بعض الناس في جيش علي أن عليًّا -رضي الله عنه- سيقسم بينهم السبي، فتكلموا به ونشروه بيْن الناس، ولكن سرعان ما فاجأهم علي -رضي الله عنه-، حين أعلن في ندائه: وليس لكم أم ولد، والمواريث على فرائض الله، وأي امرأة قُتل زوجها؛ فلتعتد أربعة أشهر وعشرًا. فقالوا مستنكرين متأولين: يا أمير المؤمنين تحل لنا دماؤهم، ولا تحل لنا نساؤهم؟ فقال علي -رضي الله عنه-: كذلك السيرة في أهل القبلة، ثم قال: فهاتوا سهامكم وأقرعوها على عائشة -رضي الله عنها- فهي رأس الأمر وقائدهم، ففي سهم مَن تكون السيدة عائشة؟! فبهتهم بهذا القول، فتركوه، وانصرفوا. وقالوا: نستغفر الله، وتبيَّن لهم أن قولهم وظنهم خطأ فاحش، ولكن ليرضيهم قسم عليهم -رضي الله عنه- مِن بيت المال خمسمائة خمسمائة (1) .

وبعد انتهاء المعركة خرج علي -رضي الله عنه- يتفقد القتلى مع نفر مِن أصحابه، فأبصر محمد بن طلحة "السجاد" فقال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، أما والله لقد كان شابًا صالحًا، ومر علي -رضي الله عنه- على طلحة -رضي الله عنه- بعد ما قٌتل، فجعل علي يَمسح التراب عن وجهه ويبكي ويقول: "عزيز علي أبا محمد أن أراك مجندلاً في التراب تحت نجوم السماء!"، ثم قال: "إلى الله أشكو عجري وبجري" (2) .

وبعد خروج الزبير بن العوام -رضي الله عنه- مِن المعركة تبعه عمرو بن جرموز فهجم عليه فقتله ثم احتز رأسه وذهب إلى عليٍّ، ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده فاستأذن للدخول على علي، فقال عليُّ -رضي الله عنه-: "بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ"، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ ) (3) .

ولما رأى علي -رضي الله عنه- سيف الزبير -رضي الله عنه- قال: إن هذا السيف طالما فرَّج الكرب عن وجه رسول الله, وفي رواية: منع أمير المؤمنين علي ابن جرموز مِن الدخول عليه، وقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار (4) ، ثم صلى علي -رضي الله عنه- على قتلى الفريقين، ثم قعد علي كئيبًا حزينًا ودعا للقتلى بالمغفرة، وترحم عليهم وأثنى على عددٍ منهم بالخير والصلاح, وعاد إلى منزله فإذا امرأته وابنتاه يبكين على عثمان وقرابته، والزبير وطلحة وغيرهم مِن أقاربهم القرشيين. فقال لهن: إني لأرجو أن نكون مِن الذين قال الله فيهم: ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) (الحجر:47) ، وهكذا مرَّت الأحداث الجسام، إنها حقـًّا فتنة عظيمة مرَّت على الأمة، وواجهت القبائل المختلفة بعضها بعضًا في رحى معركة ضارية، مضر البصرة واجهت مضر الكوفة، وربيعة البصرة واجهت ربيعة الكوفة، ويمن البصرة واجهت يمن الكوفة، ووجدت القبائل نفسها في أتون معركة تدفع ثمنها مِن أرواح أبنائها (5) .

مبايعة أهل البصرة:

كان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- حريصًا على وحدة الصف، واحترام الجميع، ومعاملتهم المعاملة الكريمة، وكان لهذه المعاملة أثر بالغ في مبايعة أهل البصرة لأمير المؤمنين علي، وكان أمير المؤمنين قد وضع الأسرى في مساء يوم الجمل في موضع خاص، فلما صلى الغداة طلب موسى بن طلحة بن عبيد الله، فقربه ورحب به وأجلسه بجواره وسأله عن أحواله وأحوال إخوته، ثم قال له: إنا لم نقبض أرضكم هذه ونحن نريد أن نأخذها، إنما أخذناها مخافة أن ينتهبها الناس، ودفع له غلتها، وكذلك فعل مع أخيه عمران بن طلحة فبايعاه، فلما رأى الأسارى ذلك دخلوا على علي -رضي الله عنه- يبايعونه، فبايعهم وبايع الآخرين على راياتهم قبيلة قبيلة (6) .

كما سأل عن مروان بن الحكم وقال: يعطفني عليه رحم ماسة، وهو مع ذلك سيد مِن شباب قريش، وقد أرسل مروان إلى الحسن والحسين وابن عباس -رضي الله عنهم- ليكلموا عليًّا فقال علي: هو آمن فليتوجه حيث شاء، وقد أثنى مروان -رضي الله عنه- على أفعال أمير المؤمنين علي فقال لابنه الحسن: ما رأيتُ أكرم غلبة مِن أبيك، ما كان إلا أن ولَّينا يوم الجمل حتى نادى مناديه: ألا لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح (7) ، وبذلك تمتْ بيعة أهل البصرة لأمير المؤمنين علي، وولى عليهم ابن عمه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- (8) ، وقد جاء عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي إلى أمير المؤمنين فبايعه فقال له علي: أين المريض؟ -يعني أباه- فقال: إنه والله مريض يا أمير المؤمنين، وإنه على مسرتك لحريص. فقال: امشِ أمامي، فمضى إليه فعاده، واعتذر إليه أبو بكرة فعذره، وعرض عليه البصرة فامتنع وقال: رجل مِن أهلك يسكن إليه الناس، وأشار عليه بابن عباس فولاه على البصرة، وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع مِن زياد (9) .

الصفحة التالية