صفحات مِن ذاكرة التاريخ (19) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وجاء أمير المؤمنين إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، فاستأذن وسلَّم عليها ورحبت به، وإذا النساء في دار بني خلف يبكين على مَن قُتل، منهم عبد الله وعثمان ابنا خلف، فعبد الله قتل مع عائشة، وعثمان قتل مع علي، فلما دخل علي قالت له صفية امرأة عبد الله، أم طلحة: أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي. فلم يرد عليها علي شيئًا، فلما خرج أعادت عليه المقالة أيضًا فسكت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ فقال: ويحك إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات، أفلا نكف عنهن وهن مسلمات؟! (10) .
أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يرد عائشة -رضي الله عنها- إلى مأمنها:
جهز أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- عائشة -رضي الله عنها- بكل شيء ينبغي لها مِن مركبٍ وزاد ومتاع، وأخرج معها مَن نجا ممن خرج معها إلا مَن أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة مِن نساء أهل البصرة المعروفات لمرافقتها في السفر، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وخرجتْ مِن الدار في الهودج، فودعت الناس ودعت لهم وقالت: "يا بني، لا يغتب بعضكم بعضًا، إنه والله ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في القديم إلا ما يكون بيْن المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار"، فقال علي -رضي الله عنه-: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة. وخرجتْ يوم السبت لغرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيعها علي أميالاً، وسرح بنيه معها يومًا (11) .
وبتلك المعاملة الكريمة مِن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- نراه قد اتبع ما أوصاه به نبي الأمة -صلى الله عليه وسلم- عندما قال له: ( إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ )، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( نَعَمْ )، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: ( نَعَمْ )، قَالَ: فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ( لَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا ) (12) .
هذا وقد ظهر موقف أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- ممن ينال مِن عائشة -رضي الله عنها-؛ فلقد جاء إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين، إن على الباب رجلين ينالان مِن عائشة، فأمر علي القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة، وأن يخرجهما مِن ثيابهما, وقد قام القعقاع بذلك (13) ، وقد ندمت عائشة -رضي الله عنها- على خروجها، وكانت إذا قرأت قوله -تعالى-: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) (الأحزاب:33) ، تبكي حتى تبل خمارها، وكانت كلما تذكرت الجمل قالت: "وددتُ أني كنتُ جلستُ كما جلس صواحبي" (14) .
تاريخ معركة الجمل:
كانت هذه الموقعة في شهر جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين مِن الهجرة، وقد اختلف المؤرخون في اليوم الذي وقعتْ فيه.
عدد القتلى: أسفرت هذه الحرب الشديدة عن عددٍ مِن القتلى اختلفت وتباينت في تقديره الروايات, ذكر الطبري في تاريخه عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف، نصفهم مِن أصحاب علي، ونصفهم مِن أصحاب عائشة، مِن الأزد ألفان، ومِن سائر اليمن خمسمائة، ومِن مضر الفان، وخمسمائة مِن قيس، وخمسمائة مِن تميم، وألف مِن بني ضبة، وخمسمائة مِن بكر بن وائل. وقيل: قتل مِن أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقتل مِن أهل البصرة في المعركة الثانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل مِن أهل البصرة، ومِن أهل الكوفة خمسة آلاف. قالا: وقتل مِن بني عدي يومئذٍ سبعون شيخًا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب ومَن لم يقرأ القرآن (15) .
وقال قتادة: إن قتلى يوم الجمل عشرون ألفًا. وأما اليعقوبي فقد جاوز هؤلاء جميعًا؛ إذ وضع عدد القتلى اثنين وثلاثين ألفًا (16) ، هذا وقد أورد خليفة بن خياط بيانًا بأسماء مَن حُفظ مِن قتلى يوم الجمل فكانوا قريبًا مِن المائة (17) , فلو فرضنا أن عددهم كان مائتين وليس مائة، فإن هذا يعنى أن قتلى معركة الجمل لا يتجاوز المائتين. وهذا هو الرقم الذي ترجَّح لدى خالد بن محمد الغيث في رسالته "استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية" (18) .
وعلى أي الأحوال فالذين قُتلوا يوم الجمل عدد ليس بقليل، فزوال الدنيا عند الله -تعالى- أهون مِن سفك دم مسلم واحد.
وهكذا نتعلم مِن التاريخ أنه في وقت الفتن تطيش العقول، ولا يسمع أحدٌ أحدًا، وإذا تأملنا أحداث موقعة الجمل، نرى أنه كان مِن الصعوبة بمكان أن يسيطر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على الأحداث، وذلك لوجود عددٍ مِن السبئية في الصف ممن يهيجون المشاعر وينشرون الفتن، وإذا تعالت الأصوات وكثر الصراخ بيْن الناس وكثرت الشائعات في المجتمع، أدى كل ذلك إلى ضعف صوت العقل، فلا يسمعه إلا القليل مِن الناس ومما نتعلمه مِن هذه الأحداث التاريخية أن الحماس وحده لا يكفي، وأن الإخلاص وحده لا يكفي أيضًا، بل لابد مِن مراعاة الواقع والترجيح ما بيْن المصالح والمفاسد، ولا بد مِن تحمل الضرر الخاص لرفع الضرر العام، فالشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولا بد مِن تفعيل قاعدة فقه المآلات؛ فلقد قلَّ بيْن الناس مَن ينظر بعين العقل إلى عواقب الأمور.
ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة ج7 ص 550.
(2) أي همومي وأحزاني وغُمُومِي، انظر ابن منظور، لسان العرب ج4 ص40.
(3) رواه أحمد والحاكم، وحسنه ابن حجر.
(4) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 261).
(5) تاريخ الرسل والملوك للطبري، ج5 ص 541، والمصنف لابن أبي شيبة (7/540).
(6) الطبقات لابن سعد ج3 ص 224.
(7) الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي للماوردي، وهو شرح مختصر المزني.
(8) سيف بن عمر الأسدي التَّمِيمي، الفتنة ووقعة الجمل، ص 181.
(9) البداية والنهاية ج7 ص 357.
(10) البداية والنهاية ج7 ص 356.
(11) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان.