دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (2) ولادة المسيح -عليه السلام-
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- إشارة مختصرة إلى ما تقدم في المرة السابقة، والذي تختصره الآيات: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (آل عمران:33-37) ، ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (المائدة:42) .
1- قصة الولادة:
قال الله -تعالى-: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا . قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا . قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا . قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا . فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا . فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا . فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) (مريم:16-26) .
- ملخص الآيات: تقدَّم أن مريم -عليه السلام- لما جعلتها أمها محررة تخدم في بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها -نبي ذلك الزمان- زكريا -عليه السلام-، وأنه أتخذ لها محرابًا، وهو المكان الشريف مِن المسجد لا يدخله أحدٌ عليها، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن لها نظير في فنون العبادات، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولدًا يكون نبيًّا مؤيدًا بالمعجزات، وأنه يكون مِن غير أب؛ فتعجبت مِن ذلك! فأخبرتها الملائكة أن الله قادر على ما يشاء، فاستكانت لذلك وسلمت لأمر ربها، وعلمتْ أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال مِن غير تدبر أو تعقل.
وكانت إنما تخرج مِن المسجد في زمن حيضها أو لبعض شأنها، فبينما هي يوم خرجت، وانفردت وحدها شرقي المسجد إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل -عليه السلام- في هيئة بشرية، فلما رأته خافته، وقالت: أعوذ بالله منك إن كنت ممن يتقي الله، ويبالي بالاستعاذة، فأخبرها الملك أنه ليس مِن البشر، ولكنه ملك بعثه الله إليها ليهب لها ولدًا زكيًّا، قالت: كيف يكون لي ولد ولستُ ذات زوج، ولا أنا ممن يفعل الفاحشة، فأجابها الملك بأن ذلك أمر الله قضاه، وهو سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير، ويكون مِن ذلك آية للناس ودلالة على عظيم قدرة الله الذي نوع في خلقهم، وأن هذا الغلام سيكون رحمة للعباد بأن يدعوهم إلى عبادة الله وحده في صغره وكبره، ثم نفخ الملك في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت عن فورها، كما قال الله -تعالى-: ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا )، وما هو إلا أن حملت به فوضعته، وقد ألجأها الطلق إلى جذع نخلة وعند ذلك قالت: ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا )، وذلك أنها علمتْ أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها، مع أنها كانت مِن العابدات وهي مِن بيت النبوة والديانة، فعند ذلك أنطق الله الغلام، فقال: ( أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) وهو النهر الصغير ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) ولم يكن ذلك زمان التمر، ولكن خرق الله لها العادة إكرامًا وتثبيتًا، ثم قال لها: ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا )، أي: قولي لهم ذلك بلسان الحال والإشارة، وكان ذلك في شريعتهم، أما في شريعتنا؛ فيُكره للصائم صمت يوم إلى الليل.
دروس وعبر مستفادة:
1- ولادة المسيح أمر عجيب عند الناس، لكنها عند الله أمر يسير؛ فهناك ما هو أعجب في الخلق: قال الله -تعالى-: ( أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ) (النازعات:27) ، وقال: ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (البقرة:255) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ) (النساء:1) ، وقال: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (آل عمران:59) .