شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (2) ولادة المسيح -عليه السلام-

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

2- ورع الصالحين يمنعهم مِن أخذ المشروع لهم في الدين إذا كان فيه شبهة عند الجاهلين: ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) (مريم:23) ، وقال -تعالى- عن نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) (الأحزاب:37) .

3- جواز تمني الموت عند خوف الفتنة في الدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ) (متفق عليه) .

2- محنة مريم -عليها السلام- مع قومها:

قال الله -تعالى-: ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا . يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا . فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ . فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (مريم:27-37) .

- ملخص الآيات: دلت الآيات على أنها حملت ولدها بنفسها وأتت به قومها تحمله، فلما رأوا ذلك قالوا: ( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا )، والفرية هي المنكرة العظيمة مِن الفعال والمقال، ثم قالوا: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ )، وكان لها أخ اسمه هارون، وكان مشهورًا بالعبادة والصلاح والخير، ولهذا قالوا: ( مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا )، أي: لستِ مِن بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم؛ لا أخوك، ولا أبوك، ولا أمك؛ فاتهموها بالفاحشة العظمى، وربما اتهموا بها بعض الصالحين، كزكريا النبي -عليه السلام-، وابن خالتها يوسف النجار.

فلما ضاق الحال وانحصر المجال، وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبقَ إلا الإخلاص والاتكال ( فَأَشَارَتْ إِلَيْه )، أي: خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه، وما تبغون مِن الكلام لديه، فعندها قالوا: ( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا )، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء، فعندها نطق الرضيع فقال: ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) معترفًا بالعبودية، تنزيهًا لله عن قول الظالمين الذين زعموا بعد ذلك أنه ابن الله ( آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون، فإن الله لا يعطي النبوة لولد زنا، وأنه مبارك حيث يحمل دعوة التوحيد أينما كان. ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ ) وظيفة العبودية على الجوارح. ( وَالزَّكَاةِ ) وظيفة العبودية على المال. ( مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي )، لتأكد حقها عليه. ( وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) أي: لستُ بفظ ولا غليظ. ( وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) أي السلامة عليَّ مِن الآثام والشرور في كل مراحل وجودي. ( ذَ?لِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) ثم ختمت الآيات بتقرير عبودية المسيح خلافًا لمَن عبدوه وجعلوه ولدًا لله -عز وجل-: ( مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ).

دروس وعِبَر مستفادة:

1- الغلو في الأنبياء والمرسلين والصالحين، طريق الشرك على مرِّ الزمان؛ ولذلك كانت وظيفة الأنبياء حماية جناب التوحيد: ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا )، وعن أنس -رضي الله عنه- أن ناسًا قالوا: يَا مُحَمَّدُ يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ، لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ ) (متفق عليه) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية