شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (20) موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد أحداث الجمل بايع أهل البصرة جميعًا عليًّا -رضي الله عنه-، سواء مَن كانوا معه أو مَن كانوا عليه، وتمكَّن -رضي الله عنه- مِن الأمور، ثم ترك البصرة وتوجَّه إلى الكوفة التي كان أغلب جيشه منها، ومكث -رضي الله عنه- في الكوفة ليسيطر على الأمور، ودانت له البصرة والكوفة.

أما مصر فقد كان على إمرتها أثناء خلافة عثمان -رضي الله عنه- عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد خرج بجيشه مِن مصر متوجهًا لنجدة عثمان -رضي الله عنه-، ولكنه لما علم بمقتله توجَّه إلى الشام، فأرسل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قيس بن سعد أحد رجالاته إلى مصر للسيطرة على الأمور، فذهب ومعه مجموعة مِن الرجال وسيطر عليها، وصعد المنبر وأعلن أنه يبايع عليًّا -رضي الله عنه-؛ فبايعه أهل مصر.

وقد كان النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قد خرج إلى الشام ومعه قميص عثمان مضمخ بالدماء، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين دافعت عنه بيدها إلى معاوية في بلاد الشام (1) ؛ فلما رأى معاوية القميص بكى ووضع القميص على المنبر (2) ، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، وآلى الرجال مِن أهل الشام ألا يأتوا النساء، ولا يمسهم الماء للغسل إلا مِن احتلام، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، أو تفنى أرواحهم فمكثوا حول القميص سنة (3) ، وكان معاوية -رضي الله عنه- يرى أنه ولي دم عثمان، وأنه لا بدّ مِن إقامة القصاص على هؤلاء القتلة، وأنه لا يجوز له بحالٍ أن يقصّر في هذا الأمر، وكان معاوية -رضي الله عنه-، واليًا على الشام في عهد عمر وعثمان -رضي الله عنهما-.

ولما تولى الخلافة عليٌّ أراد عزله وتولية عبد الله بن عمر، فاعتذر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؛ فأرسل عليٌّ سهل بن حنيف -رضي الله عنه- بدلاً منه؛ إلا أنه ما كاد يصل مشارف الشام "وادي القرى" حتى عاد مِن حيث جاء؛ إذ لقيته خيل لمعاوية عليها حبيب بن مسلمة الفهري، فقالوا له: إن كان بعثك عثمان فحيهلا بك وإن كان بعثك غيره فارجع (4) ؛ لقد امتنع معاوية وأهل الشام عن البيعة ورأوا أن يقتص علي -رضي الله عنه- مِن قتلة عثمان ثم يدخلون البيعة, وقالوا: لا نبايع مَن يأوي القتلة (5) .

لقد كان الحرص الشديد على تنفيذ حكم الله في القتلة السبب الرئيسي في رفض أهل الشام بزعامة معاوية بن أبي سفيان بيعة علي بن أبي طالب، ورأوا أن تقديم حكم القصاص مقدَّم على البيعة، وليس لرغبة معاوية في ولاية الشام، أو طلبه ما ليس له بحق؛ إذ كان يدرك إدراكًا تامًا أن هذا الأمر في بقية الستة مِن أهل الشورى، وأن عليًّا أفضل منه وأولى بالأمر منه, وقد انعقدت البيعة له بإجماع الصحابة بالمدينة، وكان اجتهاد معاوية يخالف الصواب.

وقد بعث علي -رضي الله عنه- كتبًا كثيرة إلى معاوية -رضي الله عنه- فلم يرد عليه جوابها، وتكرر ذلك مرارًا إلى الشهر الثالث مِن مقتل عثمان في صفر ثم بعث معاوية كتابًا مع رجل، فدخل به على علي فقال له علي: ما وراءك؟ قال: جئتك مِن عند قومٍ لا يريدون إلا القود -القاتل بالقتيل-، كلهم موتور-رَجُلٌ مَوْتُورٌ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ وَلاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَخْذِ ثَأْرِهِ، ورَجُلٌ مَوْتُورٌ: عصبي مشدود-، تركتُ ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك مِن دم عثمان.

وبعد وصول رد معاوية لأمير المؤمنين علي، عزم الخليفة على قتال أهل الشام؛ فكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، وإلى أبي موسى بالكوفة، وبعث إلى عثمان بن حُنيف بذلك، وخطب الناس فحثّهم على ذلك، وعزم على التجهز، وخرج مِن المدينة واستخلف عليها قُثم بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمَن أطاعه مَن عصاه وخرج مِن أمره ولم يبايعه مع الناس، وجاء إليه ابنه الحسن بن علي، فقال: يا أبه دَعْ هذا فإنّ فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم، فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال (6) ، وجهز جيشًا ضخمًا اختلفت الروايات في تقديره (7) ؛ فهناك مَن قال: مائة وخمسون ألفًا أو يزيدون، وهناك مَن قال: مائة وعشرون ألفًا، وقدر عند البعض بتسعين ألفًا، وفي رواية أخرى قدر بخمسين ألفًا، لكنه توجه في النهاية إلى الكوفة، وليس إلى الشام؛ نظرًا لما ذكرنا مِن خروج عائشة وطلحة والزبير -رضي الله عنهم- إلى البصرة، وقد بعث علي -رضي الله عنه- إلى جرير بن عبد الله، وكان على همذان مِن زمان عثمان، وإلى الأشعت بن قيس وهو على نيابة أذربيجان مِن أيام عثمان يأمرهما أن يأخذا البيعة له على مَن هُنالك ثم يُقبلان إليه؛ ففعلا ذلك.

فلما أراد علي أن يبعث إلى معاوية -رضي الله عنها- يدعوه إلى بيعته، قال جرير بن عبد الله البجلي: أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين، فإنّ بيني وبينه وُدًا، فآخذ لك البيعة منه، فبعثه وكتب معه كتابًا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ويخبره بما كان في وقعة الجمل، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلمّا انتهى إليه جرير بن عبد الله، أعطاه الكتاب وطلب معاوية عمرو بن العاص ورءوس أهل الشام فاستشارهم، فأبوا أن يبايعوا حتى يَقتل قتلة عثمان، أو أن يسلِّم إليهم قتلة عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتلهم عن آخرهم، فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا، فقرر علي -رضي الله عنه- أن يقاتل بمَن أطاعه مَن عصاه، وخرج مِن أمره ولم يبايعه مع الناس (8) .

خروج أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- إلى بلاد الشام:

خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مِن الكوفة، وعسكر في منطقة النخيلة (9) خارج الكوفة؛ فتوافدت عليه القبائل مِن شتى إقليم العراق وأرسل علي -رضي الله عنه- مقدمة جيشه نحو الشام، وتقدمت هذه المقدمة، حتى تجاوزت نهر الفرات، ووصلت إلى منطقة تُسمّى "صفين" (10) ، وتتبع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- المقدمة بجيشه، وكانت قد أتته الأخبار بأن معاوية قد خرج لملاقاته وعسكر بصفين، فتقدم علي إلى الرقة (11) , وعبر منها الفرات غربًا، ونزل على صفين (12) .

خروج معاوية -رضي الله عنه- إلى صفين:

الصفحة التالية