صفحات مِن ذاكرة التاريخ (20) موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
كان معاوية -رضي الله عنه- جادًا في مطاردة قتلة عثمان، وكان أهل الشام قد بايعوا معاوية على الطلب بدم عثمان، -رضي الله عنه-، والقتال, وقد قام عمرو بن العاص، -رضي الله عنه-، بتجهيز الجيش وعقد الألوية، وسار معاوية في جيش ضخم، اختلفت الروايات في تقديره (13) ، فقدر بمائة ألف وعشرين ألفًا, وقدر بسبعين ألف مقاتل، وقدر بأكثر مِن ذلك بكثير.
ولا شك أن هناك بعض الناس حول معاوية يشعلون الموقف ولهم رغبات متعددة، وكذلك في جيش علي أيضًا، ثم وصل جيش علي -رضي الله عنه- إلى صفين، حيث عسكر معاوية، وفوجئ جيش العراق بمنع معاوية عنهم الماء، فهرع البعض إلى علي -رضي الله عنه- يشكون إليه هذا الأمر، فأرسل علي إلى الأشعث بن قيس فخرج في ألفين ودارت أول معركة بيْن الفريقين انتصر فيها الأشعث واستولى على الماء (14) ؛ إلا أنه قد وردت رواية تنفي وقوع القتال في أصله مفادها أن الأشعث بن قيس جاء إلى معاوية، فقال: الله، الله يا معاوية في أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، هبوا أنكم قتلتم أهل العراق، فمن للبعوث والذراري؟! إن الله يقول: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) (الحجرات:9) ، قال معاوية: فما تريد؟ قالوا: خلوا بيننا وبيْن الماء. فقال لأبي الأعور: خلَّ بيْن إخواننا وبين الماء (15) ، وهذه الرواية هي الأوثق والأرجح.
وأريد أن أذكر بعض الروايات التي تؤكد على أن معاوية -رضي الله عنه- لم يقاتل مِن أجل خلافة أو رئاسة كما زعم البعض (16) ، وإنما مِن أجل دم عثمان -رضي الله عنه-، ويتضح موقفه وهو يحاور بعض رجاله مما توضحه الرواية التالية: "جاء أبو مسلم الخولاني وناس معه إلى معاوية، فقالوا له: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليًّا أفضل مني، وإنه لأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فأتوه فقولوا له فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلِّمُ له، فأتوا عليًّا فكلموه بذلك فلم يدفعهم إليه" (17) . وكان معاوية يؤكد على هذا المعنى: "ما قاتلتُ عليًّا إلا في أمر عثمان" (18) .
وقد رأى معاوية أنه ولي دم عثمان -رضي الله عنه-؛ لأنه صار رأس بني أمية مكانه، والأحاديث النبوية تدل على أن عثمان يُقتل مظلومًا، بل تذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصاه بأن لا يخلع نفسه مِن الخلافة، ووصف الثائرين عليه بالمنافقين (19) .
وقد قال الجويني -رحمه الله-: "وَمُعَاوِيَة وَإِن قَاتل عليًّا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُنكر إِمَامَته وَلَا يدعيها لنَفسِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يطْلب قتلة عُثْمَان -رضي الله عنه- ظَانّا أَنه مُصِيب" (20) .
وقال ابن حزم -رحمه الله-: "وَلم يُنكر مُعَاوِيَة قطّ فضل عَليّ واستحقاقه الْخلَافَة، لَكِن اجْتِهَاده أداه إِلَى أَن رأى تَقْدِيم أَخذ الْقود مِن قتلة عُثْمَان -رضي الله عنه- على الْبيعَة، وَرَأى نَفسه أَحَق بِطَلَب دم عُثْمَان (21) ".
وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة -رضي الله عنهما- فدخلا على معاوية -رضي الله عنه- فقالا له: يا معاوية على ما تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومِن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان وأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا مِن قتلة عثمان، ثم أنا أول مَن بايعه مِن أهل الشام، فذهبا إلى علي فقالا له ذلك فقال: هؤلاء الذين تريان، فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمَن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم حربًا (22) .
ومِن اعتقاد أهل السُّنة والجماعة أن ما جرى بيْن معاوية وعلي -رضي الله عنهما- مِن الحروب فَلم يكن لمنازعة مُعَاوِيَة لعَلي فِي الْخلَافَة للْإِجْمَاع على حقيتها لعَلي كَمَا مر، فَلم تهج الْفِتْنَة بِسَبَبِهَا، وَإِنَّمَا هَاجَتْ بِسَبَب أَن مُعَاوِيَة وَمَن مَعَه طلبُوا مِن عَليّ تَسْلِيم قتلة عُثْمَان إِلَيْهِم لكَون مُعَاوِيَة ابْن عَمه فَامْتنعَ عَليّ ظنا مِنْهُ أَن تسليمهم إِلَيْهِم على الْفَوْر مَعَ كَثْرَة عَشَائِرهمْ واختلاطهم بعسكر عَليّ يُؤَدِّي إِلَى اضْطِرَاب وتزلزل فِي أَمر الْخلَافَة الَّتِي بهَا انتظام كلمة أهل الْإِسْلَام سِيمَا وَهِي فِي ابتدائها لم يستحكم الْأَمر فِيهَا؛ فَرَأي عَليّ -رضي الله عنه- أَن تَأْخِير تسليمهم أصوب إِلَى أَن يرسخ قدمه فِي الْخلَافَة ويتحقق التَّمَكُّن مِن الْأُمُور فِيهَا (23) .
وقد قام معاوية -رضي الله عنه- خطيبًا فقال: أيها الناس! قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأني خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأني ولي عثمان وابن عمه، قال الله الله -تعالى- في كتابه: ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) (الإسراء:33) ، وقد علمتم أنه قـُتل مظلومًا، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان، فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلب بدمه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، ووثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم، أو يدركوا بثأره، أو يفني الله أرواحهم قبْل ذلك (24) .
وهنا نؤكد على ما أكده الدليل النبوي، وكذا علماء الأمة، أن الحق كان مع أمير المؤمنين على -رضي الله عنه- وأن معاوية -رضي الله عنه- اجتهد وتأول فأخطأ، فعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ, وَرُكْبَتِي تَمَسُّ رُكْبَتَهُ, فَقَالَ رَجُلٌ: كَفَرَ أَهْلُ الشَّامِ, فَقَالَ عَمَّارٌ: "لَا تَقُولُوا ذَلِكَ، نَبِيُّنَا وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ, وَقِبْلَتُنَا وَقِبْلَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مَفْتُونُونَ جَارُوا عَنِ الْحَقِّ، فَحَقَّ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَيْه" (أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ج8 ص 277) .