مِن أهم الأصول... وجوب رد النزاع إلى الله والرسول
الشيخ عادل نصر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن لوازم الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم -أن يُرد التنازع إلى الكتاب الذي أنزله الله -جلَّ جلاله- عليه، وإلى سنته -صلى الله عليه وسلم-، كما أمرنا الله -جلَّ جلاله -بذلك في محكم كتابه، فقال وهـو أصدق القائلين: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء:59) .
وعن مجاهد في قوله: ( فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) قال: "كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-"، وقال ميمون بن مهران: "الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله إن كان حيًّا، فإن قبضه الله إليه؛ فالرد إلى السُّنة"، وعن قتادة: "ردوه إلى كتاب الله وسُنة رسوله".
وقوله -تعالى-: ( ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) قال أبو جعفر: "يعني بقوله -جلَّ ثناؤه-: ( ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )، فرد ما تنازعتم فيه مِن شيء إلى الله والرسول خير لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم؛ لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة، ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) يعني: وأحمد موئلاً ومغبة، وأجمل عاقبة" (انتهى بتصرف) .
وجاء في "عمدة التفسير": "وقوله: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). قال مجاهد وغير واحد مِن السلف: أي إلى كتاب الله وسُنة رسوله، وهذا أمر مِن الله -جلَّ جلاله- بأن كل شيء تنازع الناس فيه مِن أصول الدين وفروعه أن يُرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسُّنة؛ كما قال -تعالى-: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )، فما حكم به كتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وشهدا له بالصحة فهو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؛ ولهذا قال -تعالى-: ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر )؛ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنت تؤمنون بالله واليوم والآخر، فدل على أن مَن لم يتحاكم في مجال النـزاع إلى الكتاب والسُّنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: ( ذَلِكَ خَيْر ): أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع في فصل النـزاع إليهما خير. ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) أي: أحسن عاقبة ومآلاً كما قاله السدي وغير واحد".
وقال الشوكاني -رحمه الله- في "فتح القدير": "المنازعة: المجاذبة، والنـزع: الجذب، كأن كل واحدٍ ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة، وظاهـر قوله: ( فِي شَيْء ) يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال: ?فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول? تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالرد إليه سؤاله، هذا معنى الرد إليهما. وقيل: معنى الرد أن يقولوا: الله أعلم. وهو قول ساقط وتفسير بارد، وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله -تعالى-: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم ). قوله: ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر ) فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعيـن وإنه شأن مَن يؤمن بالله واليوم الآخـر، والإشارة بقـوله: ( ذَلِكَ ) إلى الرد المأمور به ( خَيْر ) لكم ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )؛ أي: مرجعًا، مِن الأول: آل، يؤول إلى كذا؛ أي: صار إليه. والمعنى: أن ذلك الرد خير لكم وأحسن مرجعًا ترجعون إليه، ويجوز أن يكون المعنى أن الرد أحسن تأويلاً مِن تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع".
قال ابن القيم -رحمه الله-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون مِن مسائل الدين؛ دقه وجله، جليه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافيًا لم يأمر بالرد إليه؛ إذ مِن الممتنع أن يأمر -تعالى- بالرد عند النـزاع إلى مَن لا يوجد عنده فصل النـزاع.
ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله -جلَّ جلاله- هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته.