مِن أهم الأصول... وجوب رد النزاع إلى الله والرسول
الشيخ عادل نصر • المنهج السلفي
ومنها: أنه جعل هذا الرد مِن موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بيْن هذين الأمرين، فإنه مِن الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة، ثم أخبر -سبحانه- أن مَن تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه. والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده مِن معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم مَن يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه مِن دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة مِن الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملتَ أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انسلخ مِن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلى الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين مِن هذه الأمة وهم الصحابة ومَن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا، ثم أخبر -تعالى- عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم: ( تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُول ) أعرضوا عن ذلك ولم يستجيبوا للداعي، ورضوا بحكم غيره، ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم، وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم؛ بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال -تعالى-: ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم ) - اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله مَن يروم التوفيق بيْن ما جاء به الرسول وبيْن ما خالفه، ويزعم بذلك أنه محسن قاصد الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بيْن ما جاء به الرسول وبيْن كل ما خالفه مِن طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي، فمحض الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق، وبالله التوفيق".
فالواجب إذا ما دبَّ الخلاف ووقع النزاع أن يُرد ذلك إلى كتاب الله وسُنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا ما ظهر الحقّ بأدلته لزم المؤمن الانصياع والإذعان، قال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (الأحزاب:36) .
قال العلامة ابن كثير -رحمه الله- بعد ما ذكر سبب نزول الآية وذكر مِن ذلك قصة زينب بنت جحش -رضي الله عنها- وزواجها، وقبولها للزواج مِن زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وكذا قصة الفتاة التي تزوجتُ جليبيبًا استجابة لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيءٍ؛ فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ هاهنا، ولا رأي ولا قول، كما قال -تبارك وتعالى-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) (النساء:65) ، ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (الأحزاب:36) ، كقوله -تعالى-: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) ".
وقال -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): "أي عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وسبيله ومنهاجه وطريقته وسنته، وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا مَن كان".
فإن العاصمَ مِن قاصمة الخلاف؛ التزام سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في حديث الْعِرْبَاض بْنِ سَارِيَةَ -رضي الله عنه- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ! فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: ( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .