مِن أهم الأصول... وجوب رد النزاع إلى الله والرسول
الشيخ عادل نصر • المنهج السلفي
قال العلامة ابن رجب -رحمه الله-: "هذا إخبار منه -صلى الله عليه وسلم- بما وقع في أمته بعده مِن كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه مِن افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسُنته وسنة الخلفاء الراشدين مِن بعده. والسنة: هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون مِن الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة"، ولقد كان سلف الأمة أحرص الناس على متابعة ما كان عليه رسولهم -صلى الله عليه وسلم-، والتزام ما دلت الأدلة على أنه الحق، ولو خالف هذا مَن خالف، فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعلى أن كل أحد مِن الناس يُؤخذ مِن قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك كان أحدهم إذا جاءه حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو على خلاف ما هو عليه قَبِله وطرح ما كان عليه، ولله در الإمام الشافعي -رحمه الله- إذ يقول: "أجمع الناس على أن مَن استبانت له سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ".
ولقد وعى صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتابعوهم كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فحرصوا أشد الحرص على لزوم الكتاب والسُّنة والتأدب معهما، وتقديمهما على أقوال سائر البشر، فـ"عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ وَلاَ تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى قَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. فَرَجَعَ عُمَرُ".
فهذه آيات القرآن وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وعبارات أهل العلم، كلها قاطعة في وجوب رد التنازع إلى الكتاب والسُّنة، واتباع الحق الذي تدل الأدلة عليه؛ فليتنا اليوم ونحن نهب لنصرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- نعظم كلام ربنا وكلام نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ونرد خلافاتنا إلى الله ورسوله، فإذا ما ظهر لنا الحق اتبعناه، ولو خالف ذلك قول أي أحدٍ مِن البشر كائنًا مَن كان، فهل مِن المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن نتعصب لأقوال متبوعين، ونرد كلام الله -تعالى- وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟!
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "والذي ندين لله به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يصح عنه حديث آخر بنسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحدٍ مِن الناس كائنًا مَن كان"، "فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبيْن قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له. والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له. والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي، وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم".
فالحصن الحصين لنا مِن كل كيد هو التمسك بالكتاب والسُّنة.
قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان": "ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصنًا منيعًا مِن تأثير الغزو الفكري في عقائدهم ودينهم، ولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم، واستبدلوا به أقوال الرجال لم تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة -رحمهم الله- مقام كلام الله والاعتصام بالقرآن، وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتحصن بسنته؛ ولذلك وَجد الغزو الفكري طريقًا إلى قلوب الناشئة مِن المسلمين، ولو كان سلاحهم المضاد القرآن والسُّنة لم يجد إليهم سبيلاً، ولا شكَّ أن كل منصفٍ يعلم أن كلام الناس ولو بلغوا ما بلغوا مِن العلم والفضل لا يمكن أن يقوم مقام كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وبالجملة؛ فمما لا شك فيه أن هذا الغزو الذي قضى على كيان المسلمين ووحدتهم، وفصلهم عن دينهم لو صادفهم وهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله؛ لرجع مدحورًا في غاية الفشل؛ لوضوح أدلة الكتاب والسُّنة".
فيا إخوة الإسلام... آن الأوان أن نطرح التعصب جانبًا، وأن نستجيب للحق مِن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ ففي ذلك نجاتنا ونجاة أمتنا، وهذا هو الطريق لوحدتنا، وأعظم البرهان على صدق حبنا، فمن جاءه النص مِن كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فأعرضَ عنه تعصبًا لشيخ أو جماعة؛ فهو كاذب في دعواه محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- ونصرته له.
وقد ذكر بعض الباحثين أن الوصول إلى الحق فيما تنازع الناس فيه يمر بخمس مراحل:
أولها: التنازع، وذلك كأن يحدث تنازع في مسألة ما، فيرى بعضهم الوجوب ويرى آخرون الاستحباب، أو يرى فريق التحريم وآخر الكراهة، وهكذا...
ثانيها: رد التنازع إلى الكتاب والسُّنة؛ عملاً بقول ربنا: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء:59) .
ثالثها: استخراج النص فيما تنازع الناس فيه.
رابعها: فهم النص بفهم الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ لأنهم الذين أخذوا الدين غضًّا طريًّا مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
خامسها : تطبيقه كما طبقوه.
ولو فعلنا ذلك لضاق الخلاف وانحصرت دائرته، وهذا هو الواجب علينا اليوم حتى تتحد كلمتنا، ويلتئم جرحنا، ونرد كيد الأعداء في نحورهم، فهل مِن مجيب؟ والله المستعان.
وانظر معي إلى الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو يقول في باب الصيد مِن كتاب "الأم": "كل شيء خالف أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سقط، ولا يكون معه رأي ولا قياس، فإن الله -تعالى- قطع العذر بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فليس لأحدٍ معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به".