شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (21) موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن أهل الشام رفضوا بيعة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وطالب معاوية -رضي الله عنه- بالقصاص مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-، ثم تقابل الطرفان في صفين، ورأينا كيف كفـَّر الخوارج أهل الشام دون بينةٍ أو دليل، وهكذا إذا وُجدت الدماء ظهرت بدعة المبتدع، وظهر الفكر المنحرف، وظهرت العقائد الفاسدة، وهذا ما يحدث اليوم مِن التساهل والتسرع في تكفير الناس بلا برهان ولا دليل؛ لذا وجب على أهل السُّنة أن يقفوا أمام هذه البدع لا سيما في أوقات الفتن وإذا سالت الدماء، وأن يبينوا الحق للناس.

محاولات الصلح:

ما إن دخل شهر المحرم حتى بادر الفريقان إلى الموادعة والهدنة طمعًا في صلح يحفظ دماء المسلمين، فاستغلوا هذا الشهر في المراسلات بينهم، وقيل إن البادئ بالمراسلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى معاوية -رضي الله عنه-، يدعوه كما دعاه مِن قبْل إلى الدخول في الجماعة والمبايعة، فرد معاوية عليه برده السابق المعروف بتسليم قتلة عثمان أو القود منهم أولاً ثم يدخل في البيعة, كما أن قراء الفريقين قد عسكروا في ناحية مِن صفين، وهم عدد كبير، قد قاموا بمحاولاتٍ للصلح بينهما، فلم تنجح تلك المحاولات لالتزام كل فريق منهما برأيه وموقفه (1) .

وقد حاول اثنان مِن الصحابة، وهما أبو الدرداء وأبو أمامة -رضي الله عنهما- الصلح بيْن الفريقين، فلم تنجح مهمتهما أيضًا لنفس الأسباب السابقة، فتركا الفريقين ولم يشهدا معهما أمرهما, وكذلك حضر مسروق بن الأجدع أحد كبار التابعين فوعظ وخوف، ولم يقاتِل (2) .

وقوع القتال بيْن الفريقين:

لقد فشلتْ محاولات الصلح بيْن الفريقين، ثم خرج علي -رضي الله عنه- وأعلن في جيشه أن غدًا الأربعاء سيكون الالتحام الكلي لجميع الجيش، ثم نبذ معاوية يخبره بذلك (3) , فثار الناس في تلك الليلة إلى أسلحتهم يصلحونها ويحدونها، وقام عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بإخراج الأسلحة وهو يحرض الناس على الاستبسال في القتال، وبات جميع الجيشين في مشاوراتٍ وتنظيم للقيادات والألوية.

وأصبح الجيشان في يوم الأربعاء وقد نظمت صفوفهم, وتقابلت الجيوش الإسلامية، ومِن كثرتها قد سدت الأفق، والتحم الجيشان في قتال عنيف، استمر محتدمًا إلى غروب الشمس لا يتوقف إلا لأداء الصلاة، ويصلي كل فريق في معسكره وبينهما جثث القتلى في الميدان تفصل بينهما، وسأل أحد أفراد جيش علي -رضي الله عنه- حين انصرافه مِن الصلاة، فقال: ما تقول في قتلانا وقتلاهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مَن قتل منا ومنهم يريد وجه الله والدار الآخرة دخل الجنة (4) .

وقد صبر بعضهم على بعض فلم يغلب أحدٌ أحدًا، ولم يُرَ موليًا حتى انتهى ذلك اليوم، وفي المساء خرج علي -رضي الله عنه- إلى ساحة القتال فنظر إلى أهل الشام، فدعا ربه قائلاً: اللهم اغفر لي ولهم (5) .

وفي يوم الخميس اشتبك الطرفان في قتال عنيف أشد مِن سابقه، وبدأ أهل العراق في التقدم وأظهروا تفوقًا على أهل الشام، واستطاع عبد الله بن بديل أن يكسر ميسرة معاوية، وعليها حبيب بن مسلمة، ويتقدم باتجاه كتيبة معاوية (الشهباء)، وصاحب هذا التقدم الجزئي، تقدم عام لجيش العراق، وهنا استحث معاوية كتيبته الشهباء، واستطاعوا قتل عبد الله بن بديل، وتماسك أهل الشام وبايع بعضهم على الموت، وانقلب الأمر لجيش الشام، وأظهر تقدمًا، وبدأ جيش العراق في التراجع، واستحر القتل في أهل العراق وكثرت الجراحات.

ولما رأى علي -رضي الله عنه- جيشه في تراجع، أخذ يناديهم ويحمسهم، وقاتل قتالاً شديدًا، واتجه إلى القلب حيث ربيعة؛ فثارت فيهم الحمية وبايعوا أميرهم خالد بن المعتمر على الموت وكانوا أهل قتال، وكان عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قد جاوز التسعين عامًا، وكان يحارب بحماس، يحرض الناس ويستنهض الهمم، ولكنه بعيد كل البعد عن الغلو، فقد سمع رجلاً بجواره يقول: كفر أهل الشام؛ فنهاه عمار عن ذلك وقال: إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة (6) ، وهذا هو الفهم الصحيح لقضايا الكفر والإيمان، وهذا هو التطبيق العملي لتنحية العاطفة وتغليب المنهج، وعمار يقول: تقدم يا هشام، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل (7) , وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه (8) .

وعند غروب شمس ذلك اليوم الخميس، طلب عمار شربة مِن لبن ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لي: إن آخر شربة تشربها مِن الدنيا شربة لبن (9) , ثم تقدَّم واستحث معه حامل الراية هشام بن عتبة بن أبي وقاص الزهري فلم يرجعا وقُتلا -رحمهما الله ورضي عنهما- (10) ، ثم عادت الحرب في نفس الليلة بشدة لم تشهدها الأيام السابقة، وكان اندفاع أهل العراق بحماس وروح عالية حتى أزالوا أهل الشام عن أماكنهم, وذكر أن عليًّا -رضي الله عنه- صلى بجيشه المغرب صلاة الخوف (11) ، ومِن شدة القتال، فنيت نبالهم، واندقت رماحهم، وانقصفت سيوفهم، ومشى بعضهم إلى بعض، وتضاربوا بما بقي مِن السيوف وعمد الحديد (12) .

وقال ابن كثير -رحمه الله- في وصف ليلة الهرير ويوم الجمعة: وتعاضوا بالأسنان، يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما ليهمر على الآخر (13) ، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس مِن يوم الجمعة، وهم كذلك، وصلى الناس الصبح إيماءً وهم في القتال حتى تضاحى النهار، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام (14) .

الصفحة التالية