شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (21) موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وكان قتل عمّار -رضي الله عنه- شديدًا على جيش علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، لكنه كان أشد على جيش الشام؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن عمارًا -رضي الله عنه- تقتله الفئة الباغية، وقد كان عمار علمًا لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبعونه حيث سار، وكان خزيمة بن ثابت حضر صفين وكان كافًا سلاحه، فلما رأى مقتل عمار سل سيفه وقاتل أهل الشام، وذلك لأنه سمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عمار: ( تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ ) (رواه البخاري) ، واستمر في القتال حتى قُتل (15) ، وكان لمقتل عمّار أثر في معسكر معاوية، فهذا أبو عبد الرحمن السلمي دخل في معسكر أهل الشام، فرأى معاوية وعمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو، وأبا الأعور السلمي، عند شريعة الماء يسقون، وكانت هي شريعة الماء الوحيدة التي يستقي منها الفريقان، وكان حديثهم عن مقتل عَمّار بن ياسر، إذ قال عبد الله بن عمرو لوالده: لقد قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ )، فقال عمرو لمعاوية: لقد قتلنا الرجل وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال! فقال معاوية: اسكت فوالله ما تزال تدحض (16) في بولك، أنحن قتلناه؟! إنما قتله مَن جاء به (17) .

وجاء في رواية: أن معاوية -رضي الله عنه- قال: أنحن قتلناه؟! إنما قتله علي وأصحابه، وجاءوا به حتى ألقوه بيْن رماحنا، أو قال: بيْن سيوفنا وانتشر تأويل معاوية بيْن أهل الشام، وهذه الكلمة مِن معاوية -رضي الله عنه- ليستْ في محلها في هذا الموطن؛ لأن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان على الحق في هذا الخروج.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ومعلوم أن عمارًا كان في جيش على يوم صفين، وقتله أصحاب معاوية مِن أهل الشام، وكان الذي تولى قتله رجل يُقال له أبو الغادية، رجل مِن أفناد الناس، وقيل: إنه صحابي". ويخبر عمرو بن العاص، -رضي الله عنه-، الخبر فيقول: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قاتل عمار وسالبه في النار (18) .

فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية: أرسل إلى علي المصحف؛ فادعه إلى كتاب الله، فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ) (آل عمران:23) ، فقال علي: نعم، أنا أولى بذلك، فقام القُراء -الذين صاروا بعد ذلك خوارج- بأسيافهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا نمشي إلى هؤلاء حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف الأنصاري -رضي الله عنه- فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي بيْن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين، ثم حدثهم عن معارضة عمر -رضي الله عنه- للصلح يوم الحديبية ونزول سورة الفتح على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال علي: أيها الناس، إن هذا فتح، فقبل القضية ورجع، ورجع الناس (19) ، ويروى أن عليًّا -رضي الله عنه- قد أبدى معارضة في بداية الأمر، ولكنه سرعان ما وافق على التحكيم والتحاكم إلى كتاب الله -تعالى- (20) .

وهكذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتعلمون مِن سيرة رسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهي المنهج الحقيقي الواضح الصافي في كيفية التعامل مع الواقع، وأظهر سهل بن حنيف -رضي الله عنه- رفضه الشديد حول استمرار الحرب بيْن الإخوة، وقال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ " (رواه البخاري) ، وبيَّن لهم أنه لا خيار عن الحوار والصلح؛ لأن ما سواه فتنة لا تُعرف عواقبها.

إن الدعوة إلى تحكيم كتاب الله دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية، وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة علي والبيعة له، تطور فرضته أحداث حرب "صفين"؛ إذ إن الحرب التي أودت بحياة الكثير مِن المسلمين أبرزت اتجاهًا جماعيًّا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء أصبح ضرورة.

إن أمير المؤمنين عليًّا -رضي الله عنه- قَبِل وقف القتال في صفين، ورضي التحكيم وعدَّ ذلك فتحًا ورجع إلى الكوفة، وعلق على التحكيم آمالاً في إزالة الخلاف وجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتقوية الدولة، وإعادة حركة الفتوح مِن جديدٍ، وقد خشي عددٌ مِن عقلاء الطرفين مِن استمرار القتال حتى لا يهلك المسلمون؛ فيستغل الأعداء ذلك، ويستأصلوا الإسلام، فلا تقوم له بعد ذلك قَوْمة!

وكان عقلاء الكوفة أسبق إلى الموادعة؛ فهذا الأشعث بن قيس الكندي لمَّا اشتد القتال خطب في قومه -أهل الكوفة- في المساء خطبته التي قادت للصلح؛ فقال: "قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه مِن العرب، فوالله لقد بلغتُ مِن السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيتُ مثل هذا اليوم قَطُّ؛ ألا فليبلغ الشاهد الغائب، إنْ نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا مِن الحتف، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا، اللهم إنك تعلم أني قد نظرتُ لقومي ولأهل ديني فلم آلُ، وما توفيقي إلا بالله" (21) .

فلما وصل الخبر معاوية -رضي الله عنه- بخطبة الأشعث قال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنَّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنُّهى؛ اربطوا المصاحف على أطراف القَنَا -أي الرماح-، قال صعصعة: فثار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، مَن لذرارينا إن قتلتمونا، ومَن لذراريكم إن قتلناكم؟ اللهَ الله في البقية!

فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم (22) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية