شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الهجوم على التراث... وتمكين الإرهاب مِن عقول الشباب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ابتُلينا في هذه الأزمنة بطائفةٍ مِن كارهي تُراثِ أُمَّتِهم؛ بدأوا في أول أمرهم يذكرون هذا الأمر في لَحْنِ القول، فينتقدون بعض الأخطاء هنا أو هناك، ويدُسّون في ثنايا كلامهم بعض الأحاديث الصحيحة التي تستشكل على بعض العامة، فيطالبون بشرحها أو توضيحها، وربما تَجَرَّأ بعضُهم فطالَب بتضعيفها رغم حكم العلماء عليها بالصحة، وقد تكون في "البخاري" أو "مُسْلِم"!

ثم بدأتْ هذه النعرة تزداد على يد "سيد القمني" الذي منحه "فاروق حسني" -وزير الثقافة الأسبق- جائزة الدولة التشجيعية، قبْل أن يسقط "مبارك" ووزراؤه، وينزوي "فاروق حسني"، ويختفي "القمني"، "والسعيد مَن وُعِظَ بغيره".

ورغم أن ثورة "25 يناير" كانت في مهدها مظاهراتٍ مُوَجَّهة ضد تجاوزات الداخلية، وحوّلها عناد النظام آنذاك إلى ثورةٍ شعبية؛ إلا أن كثيرًا مِن الرموز العلمانية حاولتْ أن تجعل المطلب الأول للثورة هو حذف أو تعديل المادة الثانية مِن الدستور التي تنص على مرجعية الشريعة الإسلامية.

قد يكون مِن العسير عليكَ أن تتفهم أن شخصًا مُسلِمًا تزعجه هذه المرجعية، رغم أن مِن البديهيات أن المسلم يخضع لهذه المرجعية، بل يجعلها المرجعية العليا في حياته؛ مصداقًا لقوله -تعالى-: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الجاثية:18) .

وقد يكون مِن العسير عليك أن ترى مسلمًا تزعجه هذه المادة، رغم أن قيادات كَنَسِيَّةٍ كبرى كانوا -وما زالوا- يُرَحِّبون بها؛ إدراكًا منهم أن الشريعة حَثَّت على الوفاء لهم بعهدهم، وحفظتْ لهم حقوقهم قبْل أن يتحدث العالم عن حقوق الأقليات.

ولكن الأكثر عسرًا مِن القضية الأولى أن تستوعب كَمّ المُغالَطات المنطقية، والقفز على كل الحقائق حينما يُدرِجها البعض مَطْلَبًا شعبيًّا، أو يجعلها أول استحقاقات الثورة، ولكن هذا ما حدث!

نخلص مِن هذا: أن هناك فريقًا لديه "عقيدة" يريد أن يفرضها على الجميع، بلا حُجَّةٍ، ولا حِوارٍ، ولا بُرهانٍ، بل يحاول دائمًا أن يستدرج الدولة ذاتها -بكل أجهزتها- لتخوض حربًا ضد جزءٍ مِن مُكَوِّنات أُمَّتِها، أو ضد مؤسسة لها قيمتها العالمية الكبرى مثْل مؤسسة "الأزهر"، وأن هذا الفريق يستثمر أي حدث -ولو كان بعيدًا كل البعد عن قضيته-؛ لكي يثيروا قضية مرجعية الشريعة في الدستور، أو يثيروا قضية "تطويع الدين لأهواء البشر"، وإن اختاروا له أحيانًا ألفاظًا مُجْملة، لها معانٍ حَسَنَةٍ، وإن كانوا يعنون بها معانٍ باطلة مثل: "تجديد الخطاب الديني - أو مواكبة روح العصر - أو غير ذلك".

اشتعلتْ معركة مرجعية الشرعية في الدستور، وانزوت الأصوات التي تعترض على مرجعية الشريعة ذاتها، لينصَبّ الكلامُ على الخوف مِن أن يصل إلى البرلمان أغلبية ذات فَهْمٍ متشدد للشريعة؛ فيشرعون ما يريدون باسم الشريعة.

وهو تخوف يبدو منطقيًّا في ظل وجود "تَطَرُّفٍ" حقيقي موجود في كل زمان ومكان، فضلاً عن درجة النسبية التي يموج بها المجتمع بشأن مفهوم التطرف.

ومِن هنا اتفق الجميع على أن المَخْرَج هو اعتبار "الأزهر" هو الجهة المنوط بها كل ما يتعلق بالشئون الإسلامية، ودارت الأيام، وجاء حكم "الإخوان" وما كان فيه مِن أخطاء، وما كان بعده مِن خطايا، ليظن البعض أن الغضب المُوَجَّه إلى تلك الأخطاء يمكن توجيهه إلى الشريعة ذاتها، حتى إن أحدهم دعا إلى مليونية "خلع الحجاب"!

وتَجَرَّأَ البعضُ على مهاجمة "الأزهر" ذاته، ثم تَدَرَّجَت به نشوة الشعور بأنه "المُخَلِّص" و"الثائر" الذي جاء ليعالج أخطاء قرون مضت، ليعلن الثورة على "البخاري" و"مسلم"، وعلى كتب الفقه وكتب التفسير!

بالطبع وُجِدَت أفكار شاذة، ووُجِدَ سلوكٌ مشين ينتسِب إلى الإسلام، وإلى الدعوة الإسلامية، وكلما حدث شيء مِن هذا يُبادِر "الأزهر" وغيره ممن يرفضون ذلك الإرهاب -كالدعوة السلفية التي كان مِن أبرز القضايا التي اهتمتْ بها على مدار نحو مِن أربعين عامًا الرد على فكر التكفير والتفجير- إلى التبرؤ مِن هذه الأفعال، وبيان أنها ليستْ مِن الإسلام في شيء، وأنها مِن نتاج أفكار أصحابها، وأن الشريعة بريئة منها؛ إلا أن هذا الفريق المشار إليه عادة ما يجدها فرصة سانحة لكي يكيل التهم الباطلة "للأزهر" و"للدعوة السلفية" وغيرهما، بأنهم مسئولون عما تبرأوا منه!

فعندما نُبَرِّئُ "الأزهر" وغيره مِن أفعال "داعش"؛ يخرج علينا بعض أولئك النفر، مُدَّعين أن "الأزهر" -ومِن قبْله كتب التراث- تدعو إلى ما تفعله "داعش"! ومهما حاولتَ إقناعَهم بأن نصوص الكتاب والسُّنة تُجَرِّم أفعال "داعش"؛ إذا هم يشغبون عليك برواياتٍ تاريخية واهية؛ لمحاولة إثبات أن سلوك "داعش" سلوك إسلامي ضارب بجذوره في التاريخ!

وأما "الدعوة السلفية": فقد وَجَد القوم بُغيتَهم في شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- الذي تُحَرِّفُ "داعش" كلامَه كما يُحَرِّفون كلام مَن سَبَقه، وإذا كانت "السلفية" تقدِّر تراث "ابن تيمية"؛ فهم و"الدواعش" سواء عند القوم! وسوف يأتيك في آخر المقال موقف عملي لشيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- يبين أنه بريء مِن "داعش" وسلوكها، ومما يرميه القوم به.

وعندما تحدث جرائم تحرش "لا إنسانية" سببها المخدرات، وسينما العري، وضعف الوازع الديني، إلخ؛ فالمتهم الأول عند هؤلاء هو الحجاب!

الصفحة التالية