شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الهجوم على التراث... وتمكين الإرهاب مِن عقول الشباب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

فإن قلتَ لهم: إن الحجاب وقاية مِن هذه الجرائم لا العكس؛ تمسكوا بالجرائم النابعة مِن شذوذ مُفرِط، مثل: اغتصاب الرُضَّع أو التحرش بالمُسِنَّات، وهذه الجرائم تحدث كنتيجةٍ لتعاطي المخدرات، والهَوَس الجنسي، ووجود هذه الجرائم المقزِّزَة لا ينفي القاعدة العامة التي تطبق على الأشخاص الذين يملِكون قدرًا طبيعيًّا مِن الشهوة، وهي أن تهذيب هذه الشهوة بالنسبة لهم يتمثل في غض البصر، وحفظ الفرج، وستر العورة، كما قال -تعالى-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) (النور:30-31) ، وكما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (الأحزاب:59) .

إذًًا نحن أمام موقف عقائدي يتبناه البعض ويُصَرِّح به وينافح عنه، وهو أنه لا بُدَّ مِن نسف كتب التراث، ونسف كل مَن يتبناها؛ ابتداءً بالمدارس الفقهية للأئمة الأربعة وغيرهم، وأئمة الحديث، وانتهاءً بـ"شيخ الأزهر" الدكتور "أحمد الطيب"، وهيئة كبار العلماء، وكل مَن يتبنى أخذ العلم مِن كتب التراث.

وجاءتهم الفرصة على طبق مِن ذهبٍ، وهي التفجيران الإرهابيان اللذان حدثا في كنيستين في يومٍ واحد؛ وفجأة، وبدون مقدمات، وكأننا أمام مشهد لـ"أولتراس" فريق كرة قدم، يحاول أن يؤثِّر على الحَكَم، وأن يرهب عين المُشاهِد، ليتوَهَّم شيئًا غير الذي يُشاهِده أمامَه؛ وجدنا محاولة لإلصاق التهمة "بالأزهر"، وبدأت التهمة أولًا بالتقاعس عن نشر الفكر الوسطي؛ مما يعني التسليم بأن "الأزهر" يمثـِّل فكرًا وسطيًّا؛ إلا أنه -مِن وجهة نظرهم- مسئول عن هذا الملف المتشابك الأطراف بيْن الفكري والسياسي والأمني.

إلا أن الفريق المعادي للتراث لم يرضَ بهذا القدر؛ لأن قضيته في الحقيقة ليستْ هذه، وإنما قضيته هي محاربة التراث، وكل مَن يحافظ عليه، وعلى رأسهم "الأزهر"؛ فأبوا إلا أن يكرروا مُغالَطة أن "كتب التراث" ذاتها تدعو إلى هذا، مع أنهم لا يفسِّرون لنا: لماذا؟ وكيف رَعَت الأمة الأقليات وصانت لها حقوقها لما كانت مرجعيتها الحقيقية هي تلك الكتب؟!

وعند هذا الفريق أن "الأزهر" طالما يدرِّس "كتب التراث"؛ فهو في "قفص الاتهام!"، مع ملاحظة أن مرتكبي هذه التفجيرات لم يدرسوا يومًا في الأزهر، بل ولم يُصَلّوا يومًا في مسجدٍ مِن مساجد المسلمين العامة، بل أقاموا لأنفسهم مساجدهم الخاصة؛ لأنهم يُكَفِّرون المجتمع، وهذه الجماعات معلوم عنها قِلَّةَ عنايتها بكتب التراث أصلاً؛ فهم لا يطّلعون على كتب التراث -سواء مِن خلال "الأزهر" أو غيره-، وإنما يتداولون كتيباتٍ صغيرة لا يخرجون عنها، فيها آيات منتزعة مِن سياقها، وأحاديث بمعزل عن شروحها الموجودة في كتب التراث، وربما نقلوا بعض النقول المبتورة لبعض العلماء، وربما نقلوا أحيانًا عمن يعتقدون كفره.

ولو افترضنا جدلاً أن أحد الإرهابيين ينتمي "للأزهر"؛ فهل يكفي هذا للخروج بنتيجة أن مناهج "الأزهر" مسئولة عن "الإرهاب"؟!

إذًا فسوف تطول التهمة مناهج التربية والتعليم، ومناهج كثير مِن الكليات، بل ومناهج الدراسة الغربية؛ حيث إن الدول الغربية أصبحت الآن هي المُوَرِّد الرئيسي لـ"داعش"، وليستْ بلاد المسلمين.

إنه لا يمكن الربط بيْن أي رافد تعليمي أو فكري وبيْن سلوك شخص ما؛ إلا إذا كان هذا السلوك نابعًا مِن هذا الفكر، وبالتالي فإذا تلقى شخص تعليمًا وسطيًّا ثم أَثَّرَ عليه فكرٌ آخر -وإلا فالمتطرفون لا يولدون كذلك- فهذا لا يعود باللائمة على الفكر الوسطي؛ ربما احتاج الأمر إلى دراسة: هل يبني ذلك المنهج قدرًا كافيًا مِن المناعة ضد هذا التطرف والإرهاب أم لا؟

وإذا أردنا أن نُعالِج هذا الأمر علاجًا صحيحًا؛ فليس الحل في استسهال الربط بيْن السلوك الإرهابي وبيْن أي انتماء جغرافي أو تعليمي أو ديني ينتمي إليه الإرهابي؛ وإلا كان الغرب مُحِقًّا في إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين لكون بعض الإرهابيين ينتمون إلى الإسلام! بل ويفعلون الإرهاب باسمه، ولكن كل هذا لا يمكن أن ينسحب إلا على مَن اعتنق هذا أو بَرَّرَه.

إننا أمام حالة أشبه بحال مَن يرى أن أمثل حل لوجود بعض الأطعمة الفاسدة في الأسواق هو أن يمنع بيع الطعام أصلاً، أو مَن يرى أن العلاج الأمثل لظاهرة استعمال بعض الأدوية كمخدراتٍ أن نمنع هذه الأدوية تمامًا رغم حاجة الناس إليها! بل يزيد على هذا المطالَبة بحرق الكتب التي تبيِّن طرق تصنيع ذلك الدواء، ومحاكمة الأطباء الذين يصفونه على نحو صحيح، ومحاكمة الأساتذة الذين يُعَلِّمونهم!

والمناقشة مع هؤلاء تطول في جوانب عدة، ولكن دعنا نناقش فكرتهم مِن حيث النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها:

هب أنه تم تعديل مناهج "الأزهر" لتخلو مِن الكلام على مقارنة الأديان، وعلى لزوم الشريعة، وهب أنه تم تدريس تفسير انتقائي للقرآن الكريم لا يمر على الآيات التي تبيِّن عموم رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- للعالَمين، وتُبَيِّن حال مَن كَفَر بها، ومتى يُسَالَم، ومتى يُقَاتَل، وأخلاق المسلمين في حالتي السِّلْم والحرب، ولا يتناول النصوص الشرعية المتعلقة بالجرائم الأخلاقية، مثل: الزنا، وشرب الخمر، وغيرها مِن الأمور التي هي في شريعة الله جرائم، بينما هي في عرف الحضارة الغربية مِن المباحات.

لا أستطيع أن أتخيل إلى أي مدى يمكن أن يصل التعديل المطلوب، ونحن نسمع كل يوم عن مليونية خلع الحجاب، وعن أن التسامح مع الغير والتعايش السلمي معه لا يمر إلا بالاعتقاد بصحة عقائد جَزَم القرآنُ ببطلانها، ونسمع عن مقاومة الإرهاب بنشر صور نساء يرتدين ملابس البحر، و... إلخ.

ولكن عمومًا لو تخيلنا أنهم وضعوا كل ما يشاءون مِن تجديد وتطوير، و... و...

الصفحة السابقة الصفحة التالية