شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إياك أن تكون مِن هؤلاء الأوائل!

شحاتة صقر • التزكية

وإن مما يُلفت الانتباه في هذا الحديث أن هؤلاء الثلاثة ضحّوا بالأجر العظيم مِن الله انتظارًا للثناء مِن الناس "وربما لم ينالوه"؛ لا سيما ذاك المجاهد، فربما يكون قد قُتِلَ قبْل أن يسمعه، فما الفائدة التي ينالها الإنسان مِن تزيين الشيطان له بأنه سيكون حديث الناس؟!

وماذا سيجني لو تكلمَت عنه كل القنوات الفضائية في العالم؟!

بل ماذا سيجني لو تكلم عنه المليارات مِن الناس في العالم؟!

إن هذا الثناء -لو وُجِد- فسيكون لبرهةٍ مِن الزمن ثم بعدها ينساه الناس.

هَبِ الدُّنْيَا تُقَادُ إلَـيْـكَ عـَفْـوًا ألَيْسَ مَصِيرُ ذَاكَ إلَى زَوَالِ؟

إن المرائي لو تفكر في قوله -تعالى-: ( أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (المجادلة:6) ، لَراجع نفسَه ألف مرة ولَجاهَدها حتى لا يخسر تلك الخسارة الفادحة. قال أحد الصالحين: "الإخلاص نسيانُ رؤية الخلْق بدوام النظر إلى الخالق"، فانسَ تمامًا أن الناس ينظرون إليك، وداوِم النظرَ وراقِب ربك -تبارك وتعالى- الذي يَعلم خائنة الأعين وما تُخفِي الصدور.

قال إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: "ما صدَق اللهَ مَن أحبَّ الشّهرة".

إن حب الظهور والشهرة والإعجاب بالنفس آفاتٌ مهلِكة، وداء عضال يحبط عمل صاحبه ويفسده، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي -رضي الله عنه- قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي -صلى الله عليه وآله وسلم- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم-: ( لاَ شَيْءَ لَهُ ). فَأَعَادَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم: ( لاَ شَيْءَ لَهُ ). ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ ) (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح) .

وفي الحكمة: "الإخلاص طريق الخلاص، وحُبُّ الظهور كم قصَم الظُهور".

وحب الظهور له صور، منها: محبة تصدر المجالس والاستئثار بالكلام وفرض الاستماع على الآخرين، وأن يكون الأمر له.

ومنها: محبة أن يقوم له الناس إذا دخل عليهم لإشباع حب التعاظم في نفسه المريضة.

ومنها: الرغبة في الرئاسة والإمارة، وعدم تقدير المسؤولية والخطر، وهذا الذي حذر منه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله: ( إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ ) (رواه البخاري) . ( نِعْمَ الْمُرْضِعَةُ ): أي أولها؛ لأن معها المال والجاه واللذات. ( بِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ ): أي: آخرها؛ لأن معه القتل أو العزل، والمطالبة بالتبعات يوم القيامة.

ولو كان الأمر قيامًا بالواجب وحملاً للمسئولية في موضع لا يوجد مَن هو أفضل منه مع بذل الجهد والنصح والعدل كما فعل يوسف -عليه السلام-؛ إذن لقيل أنعِم وأكرِم، ولكن الخطورة في الرغبة الجامحة في الزعامة والتقدم على الأفضل، وغمط أهل الحقوق حقوقهم، والاستئثار بمركز الأمر والنهي.

إن الإخلاص مع الاتباع هما ركنا قبول العمل، قال الله -تعالى-: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (الكهف:110) . قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الملك:2) ، قال: أخلصُه وأصوبُه. قالوا: يا أبا عليّ، ما أخلصُه وأصوبُه؟، قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا". والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السُنّة.

وقال ابن القيّم -رحمه الله-: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رمْلاً، ينقله ولا ينفعه".

وصدق الإمام -رحمه الله-؛ فإن هؤلاء الثلاثة ما نفعهم عملُهم، بل كان هذا العمل المشوب بالرياء سببًا في هلاكهم.

وعلى النقيض مِن عاقبة هؤلاء المرائين -رغم عِظَم عملهم- تجد ما كشفه لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن ثمرة الإخلاص في النية رغم عدم وجود العمل، فقَالَ: ( مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، فَهُمَا فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ عِلْمًا وَلَا مَالًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ. فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

إن تحقيق الإخلاص عملية شاقة على النفس حيث يحتاج إلى مجاهدةٍ ومعالجة بسبب تسرُّب الشيطان وتسلّله إلى النفوس، ومحاولته إفساد النوايا التي قُصد به وجه الله -تبارك وتعالى- وحده؛ فالرياء أخفَى مِن دبيب النمل، حيث يقع في العمل مَن حيث لا يدري به صاحبه، كما لا يدري الإنسان بدبيب النمل، فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رضي الله عنه- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: ( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ). فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ، وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( قُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

قال أيوب السختياني -رحمه الله-: "تخليص النيات على العُمّال أشدُّ عليهم مِن جميعِ الأعمال".

الصفحة السابقة الصفحة التالية