معارك "فناء" البيت الخلفي
غريب أبو الحسن • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
- ففي العديد مِن البنايات يوجد فناءٌ خلفي تطل عليه خدمات البناية؛ يخفيه البناء خلفه وكأنه عورة يستره عن الناظرين، لا يعرف تفاصيل ما يحدث به إلا سكان هذه البناية.
- مشاكله شديدة المحلية، فهذا يصيح بسبب انقطاع الماء عنه أثناء الاستحمام، وهذا يشتكي مِن تسريب مواسير صرف جاره فوق رأسه، وقد تسمع فيه صراخ الأم وهي تتوعد أبناءها إن لم يكفوا عن الشجار أثناء إعدادها الطعام بالمطبخ، وأخرى تتحدث لجارتها عن معاركها المستمرة مع حماتها متتالية الفصول، وكأنها حرب "داحس والغبراء!".
- أما صاحب الدور الأرضي: فلا يزال صياحه بالويل والثبور يسمعه الجميع بعد سماعهم لصوت ارتطام كيس نفايات ألقاه أحد أصحاب الأدوار العليا بأرضية الفناء؛ يحدث هذا مرات ومرات، ولا يتوقف كلا الصوتين.
- مع أن سكان البناية تحيطهم المشاكل مِن كل مكان؛ فالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد تركت آثارها على كل أسرة بالبناية، وعلى كل فرد، فها هم انتقلوا مِن الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة بيْن عشية وضحاها؛ فيقف رب أسرة في شرفة بيته قد أحاطه الدَّين، وأحاطته مطالبة الزوجة بمصاريف المدارس، وكسوة الشتاء، وعلاج الصغير؛ فينظر إلى الشارع وتراوده نفسه أن يتخلص مِن كل ذلك بقفزةٍ واحدةٍ!
- وفي الشرفة المجاورة تجلس امرأة أربعينية تتابع حركة القطار وهو يبتعد مسرعًا؛ فتتذكر "قطار الزواج" الذي رحل هو الآخر دون أن تدركه، بينما اجتمع مجموعة مِن شباب البناية أعلى سطحها في "عشة" متهالكة يتعاطون المخدرات في محاولة بائسة للهروب مِن واقعٍ محبط، ومِن مجتمع يتهمهم بالفشل، وهُم يصفونه بالظالم، بينما حاصرت البطالة من تبقى مِن شباب البِناية.
- وبرغم كل هذه المشاكل إلا أن سكان البناية لا يتركون معركة تشب في فنائهم الداخلي إلا شاركوا فيها؛ لا يتحمل بعضهم لبعضٍ كلمة! أحدهم يصيح مع أول عارض مِن مشكلة صيحات هستيرية؛ عَلَّه يجد متنفسًا لذلك المرجل المشتعل في صدره بسبب مشاكل قد أحاطت به إحاطة السوار بالمعصم، ولكن العجب في آخر ينصح المتشاجرين بالهدوء بصياح هو أشد مِن صياح المتشاجرين، ليخرج صوت ثالث يسب الجميع، ويخبرهم أن كل فشل في حياته إنما بسبب بقائه في هذه البناية وبيْن سكانها!
- فإذا دعاهم رئيس اتحاد المُلّاك لاجتماع لمناقشة بعض مشاكل الخدمات في البناية، وبعض أعمال الصيانة، وبعد أن يحدّد المكان والزمان يتفق جميعهم بغير اتفاق على التخلف عن الحضور، وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء وكأنهم استعذبوا صوت صراخهم في فنائهم الخلفي!
- ولكل كيانٍ وتيار فناؤه الخلفي، حيث يعشق شريحةٌ مِن أبنائه هذه النوعية مِن المشاكل؛ فالحياة خيارات، وكل إنسان يختار ميدان معركته.
- وفي حالتنا الإسلامية ستجد ذلك الفناء الخلفي، وستجد مَن يعشق معاركه، ويفني فيها زهرة شبابه!
- ستجد فيه:
- المعتزل الذي يلومك أنك لم تعتزل المشهد أو تعتزل الفتنة!
ثم حينما تتأمل في حاله؛ تجد أن اعتزاله قد امتد حتى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهو يطبع تطبيعًا كاملاً مع الواقع مِن حوله بكل ما فيه مِن منكراتٍ، ويعتزل كل ما مِن شأنه أن يسبب له أي نوع مِن أنواع الأذى "ولو صغر!"؛ إلا أنه يحافِظ -وبانتظام- على اتهام غيره بالعمالة والخيانة، وتضييع الأمانة في جلساته الخاصة، وكأن إنكاره ودعوته قد انحصرت في تلك التهم المُعَلَّبة والجاهزة!
تأمل -إن شئتَ- مسألة "وقوع الطلاق الشفهي" وهي مسألة شرعية وليست فتنة حتى يعتزلها، تأمل مَن تصدّى وأنكَر، ومَن وافَق وتابَع، ومَن صمت واعتزل!
- وستجد مَن يدعوك لاعتزال العمل السياسي، ويقول لك بملء فيه: ماذا كسبتَ مِن العمل السياسي؟ أو متى تتركون العمل السياسي؟!
ولو تأمل في حاله؛ لوجد نفسه معتزلاً للعمل السياسي مِن أمدٍ بعيدٍ، ولم يقدِّم اعتزاله له -ولا لأُمَّتِه- أي فائدة! بل ربما هو معتزل للعمل السياسي عندما كان إخوانه يحتاجون مساعدته، وعندما كان للمشاركة السياسية فائدة مباشرة وواضحة للجميع!
- ستجد بعض مَن توقف بالزمن عند لحظة معينة "لحظة فارقة" أو هكذا قيل له، وإنه إن اغتنمها سيحيا "كريمًا"؛ فقط كل ما عليه أن يتبرأ مِن الجميع؛ مِن العمل السياسي، والأحزاب والبرلمان، ويدعم مُلْهِمَه لرئاسة البلاد، وكأن الانتخابات الرئاسية تختلف عن النيابية، ثم بعد أن مرَّت لحظات وشهور وسنون، ولم تأتِ تلك اللحظة "الفارقة"؛ توقف الزمان عنده، وأصبح لا يشتبك مع أي مِن قضايا أمته، ولكن لا يمر حدثٌ حتى يقلِّب في فيديوهات تلك اللحظة الفارقة يجتر ذكراها ويبكي أطلالها ويحمل الجميع مسئولية تضيعيها!
- ستجد مَن يحاول جاهدًا أن يُثـْبِت أن علمَ الحديث، وإدراك صحة الأسانيد مِن ضعفها هو أشرف العلوم، وغيره تابع له! ويحشد الناس حشدًا للتخصص فيه، ويرى غيره مِن العلوم مشغلة!
وغيره يرى أن علم التجويد والقراءات هو ما يستحق أن تُنفق فيه الأعمار!
وثالث يرى التربية والسلوك هما ميدان النفس الأول، وهو ما سيُحاسَب العبد عليه يوم القيامة!
ورابع يرى أن تدبر القرآن أهم مِن كل شيء؛ لأنه رسالة الله إلينا، وهو أحق بالفهم.
وخامس يرى أن أمل الأمة وخلاصها في أن تتعبد لربها بأسمائه وصفاته، ناهيك عمن يرى أنه اكتشف "عن طريق اللاب توب!" أن أسماء الله الحسني التي نتعبد بها غاب صحيحها عن السلف والخلف، ويخوض المعارك مِن أجل إثبات أنه صاحب ذلك الاكتشاف!
وستجد مَن يقول لك: "إذا لم تدرس على طريقتي؛ فطريقك مفقود!".
وكل مَن عمّر في طريق الدعوة يعلم أن كل هذه الأمور تتجدد بيْن الحين والآخر؛ تفور، ولكن لا تلبث أن تخبو.
ولا يشكك أحدٌ في نوايا أحدٍ "فكثير منهم همْ ممن يحمل همَّ هذا الدِّين"، ولكن اللوم في جعله أفضلية ميدانه هي ميدان المعركة، وسبب مِن أسباب الاستقطاب، وإضاعة جهده ووقته -ووقت غيره- في إثبات أن ميدانه أفضل الميادين، ولو بذل جهده في ميدانه؛ لكان خيرًا له ولأمته؛ لأن لحظة الحقيقة لا ترحم أحدًا عندما يمر الوقت، ويهدأ غبار التلاسن، ويظهر كمْ أخرج للأمة مِن كفاءاتٍ في مجاله.