شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (4)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أخطر المسائل التي تتعلق بالتكفير في مسائل المُوالاة -وبالتالي استباحة قتل النفوس-: "مسألة النُّصْرَة".

وهذه المسألة مِن أخطر مسائل المُوالاة، قد ذكرها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه فقال -عز وجل-: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (النساء:88-89) .

وروى ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية قال: "ذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يُظاهِرون المشركين، فخرجوا مِن مكة يطلبون حاجةً لهم، فقالوا: إن لقينا أصحابَ محمد -صلى الله عليه وسلم- فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أُخبِروا أنهم قد خرجوا مِن مكة، قالت فئة مِن المؤمنين: اركَبوا إلى الخُبَثاء فاقتلوهم، فإنهم يُظاهِرون عليكم عَدُوَّكم. وقالت فئة أخرى مِن المؤمنين: سبحان الله -أو كما قالوا- أتَقتُلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟! أمن أجل أنهم لم يُهاجِروا ويتركوا ديارهم تُستحل دماؤهم وأموالهم لذلك؟! فكانوا كذلك فئتين، والرسول -صلى الله عليه وسلم- عندهم لا ينهى واحدًا مِن الفريقين عن شيء، فنَزَلت: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) الآية" (تفسير الطبري) .

والشاهد منها: قول المؤمنين: "فاقتُلُوهم، فإنهم يُظاهِرون عليكم عَدُوَّكم"، ونزلتْ في ذلك الآيات المُوافَقة لهذه الطائفة مِن المؤمنين، لقوله -تعالى-: ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ).

قال السُدِّيّ -رحمه الله-: "إذا أظهَروا كُفرَهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم". وهذا أقرب ما قيل في تفسير هذه الآية، مُوافِقًا لسياقها، كما قال ابن جرير -رحمه الله- بعد ذكر الاختلاف فيمن هم المقصودون بهذه الآية.

ولا بد أن نفرِّق هنا بيْن مَن خرج مُحارِبًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللإسلام والمسلمين، تحت راية الكُفْرِ المُعْلَنَة، وبيْن مَن حَكَمَت بعضُ الطوائف -أو حتى بعضُ أهل العلم- بكُفْرِه، وهو ما زال ينتسب إلى الإسلام؛ فالدخول في طاعة الأوَّلين تنطبق عليه الآية الكريمة، بخلاف طاعة مَن انتسب للإسلام؛ فإن عدم معرفة حقيقته وارِدٌ على أكثر المسلمين أو -على الأقل- كثيرٍ منهم، فلا يمكن الحكم على مَن ناصَرَهم بأنه يحارب الإسلام، وأنه عدو للإسلام، وبالتالي تُستَحَلّ منه الدماء والأموال.

قال ابن حزم -رحمه الله-: "مَن لحق بدار الكفر والحرب مُختارًا مُحارِبًا لمَن يليه مِن المسلمين، فهو بهذا الفعل مُرْتَدٌّ، له أحكام المرتد كلها، مِن وجوب القتل عليه متى قُدِرَ عليه، وإباحة ماله، وفساخ نكاحه، وغير ذلك... قال: وكذلك مَن سَكَن بأرض الهند، والسند، والصين، والترك، والسودان، والروم مِن المسلمين -أي وقتما كانت تحارب الإسلام والمسلمين- فإن كان لا يقدر على الخروج مِن هنالك لثِقَلِ ظَهْرٍ أو لقِلَّةِ مالٍ أو لضَعْفِ جِسْمٍ أو لامتِنَاعِ طَريقٍ فهو معذور، فإن كان هنالك مُحارِبًا للمسلمين مُعِينًا للكفار بخِدْمَةٍ أو بكِتَابَةٍ فهو كافر، وإن كان إنما كان يقيم هنالك لدنيا يصيبُها وهو كالذِّمِّيّ لهم وهو قادِرٌ على اللحاق بجَمهَرَة المسلمين وأرضِهم فما يَبْعُدُ عن الكُفْر، وما نرى له عُذرًا، ونسأل الله العافية".

والمقصود بهذا مَن كان عاجِزًا عن إقامة الدين في بلاد الكُفَّار دون أن يكون مُشَارِكًا بالقتال، ولم يَحْكُم بكُفْرِه -رحمه الله-؛ لأنه قال إنه اقترب مِن الكفر، ولكن لم يدخل فيه، قال: "فما يَبْعُدُ عن الكفر"، وعدم العذر ليس في التكفير، ولكن في الإثم واستحقاق العقوبة، لأنه عاجِزٌ عن إقامة الدين كما بَيَّنَ أهلُ العلم.

ثم قال -رحمه الله-: "وليس كذلك مَن سَكَنَ في طاعة أهل الكفر مِن الغَالِيَة -يَقصد بذلك "الباطنية" الذين عُرِفوا في التاريخ باسم "الفاطميين" الذين كانوا يحكمون مصر والقيروان وسائر إفريقيا، بل والحرمين والشام كذلك- ومَن جرى مجراهم: كأهل مصر، والقيروان، وغيرهما، فالإسلام هو الظاهر، ووُلَاتُهم على ذلك لا يُجاهِرون بالبراة مِن الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا".

وقال أيضًا: "وأما مَن سَكَنَ في بلدٍ تظهر فيه بعض الأهواء المُخرِجَة إلى الكفر فهو ليس بكافر؛ لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال، مِن التوحيد، والإقرار برسالة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، والبراءة مِن كل دينٍ غير الإسلام، وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان، والحمد لله رب العالمين" (انتهى مِن المُحَلَّى) .

فلا بد مِن التنبُّه هنا للفرق المهم بيْن طاعةِ ونُصْرَةِ مَن يُصَرِّحون بالكفر وبيْن طاعة مَن ينتسبون إلى الإسلام وهم في حقيقة أمرهم كُفّارٌ؛ فأمر الطائفة الأخيرة يحتاج إلى نظرٍ واجتهادٍ، وليس معلومًا قطعيًّا مِن الدين كالأَوَّلين، وموالاتُهم وطاعتُهم وإن كانت مُحَرَّمَةً إلا أنها ليست كُفرًا يَنقِل عن الملة، مراعاةً لهذا الفارق المُهِمّ "ما لم يعلم كفرهم"، فتنبَّه لذلك.

الصفحة التالية