شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (4)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ومما يؤكد خطأ ما ذهب إليه بعض أهل العلم مِن أن الديارَ التي تغلب عليها الطوائفُ الخارجةُ عن الإسلامِ -وإن كانت منتسبةً للإسلام- ديار كُفْرٍ ورِدَّةٍ: ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة: ( لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ) (متفق عليه) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ) (متفق عليه) ، وقال: ( إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا ) (رواه مسلم) ، -( يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ ): أي المسجد الحرام والمسجد النبوي- وكلها أحاديث في الصحيح تدل على أن مكة والمدينة لا تتحول إلى دار حرب إلى يوم القيامة، إلى أن يزول مَن يقول في الأرض: "الله، الله"، والدجال لا يدخل مكة ولا المدينة؛ فبحَمْدِ الله لا تتحول أبدًا إلى دار كفر وردة، وقد غَلَب الباطنية الفاطميون والقرامطة على مكة والمدينة، وكان يُخطَب للحاكم بأمر الله الفاطمي على منابر مكة والمدينة في الحرمين الشريفين -ومعلوم زندقته ونفاقه، وادعاؤه الألوهية سِرًّا-؛ فدَلَّ ذلك على ما ذكرنا مِن التفرقة الهامة، وعدم مساواة مَن يُظْهِرُ الإسلام بمن يُظْهِرُ الكفر؛ فضلاً عن أن تكون الطائفة ليست حقيقتها الكفر، بل هي في الجملة تُقِرُّ بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، ويُعرف ذلك مِن أحوالهم.

وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم بعد عصور الاحتلال، وعجزِ كثيرٍ مِن البلاد المُستقلة عن أن تعود إلى ما كانت عليه قبْل عصور الاحتلال مِن إقامة الشرع، وإن كانت أكثر دساتيرها تنص على مرجعية الشريعة، لكن كثيرٌ مِن الحكام قد لا يَهتم وقد لا يحرص، وقد لا يجتهد في إقامة المُمْكِن مِن الشريعة، فيكون آثما بما قَصَّرَ فيه، لكن لا يكون كافِرًا؛ لأنه يؤصل تحكيم الشرع؛ فلا يصلح أبدًا أن يُعَمَّم الحكمُ بتكفيرِ مَن أطاعَه أو نَصَرَه كما تفعل جماعات التكفير!

ثم لا بد أن نفرِّق بيْن أمر مُحارَبَة الإسلام وبيْن مُحارَبَة جماعة منتمية إلى العمل الإسلامي، فإن هذا مِن أخطر مسائل الانحراف؛ فكثيرٌ مِن الجماعات تجعلُ مَن يُقاتِلها أو يُخَالِفها أو يُحارِبها مُحَارِبًا للإسلام، وتُعَامِلُه على ذلك مُعامَلَة الكفار والمشركين المرتدين، وهذا مِن أخطر الأمور؛ فإنه ليس كل مَن خالَفَ طائفةً مِن المسلمين مُحارِبًا للإسلام، ولو كان مِن شَرِّ أهلِ البدع، حتى يأتي مِن ذلك أمرًا لا مَرَدَّ له، والله المستعان.

ومِن هنا تعلم: أن قول الجماعات التكفيرية -التي تُقاتِل الجيوش العربية والإسلامية في معظم الدول العربية- مِن أن كل مَن انتمى إلى هذه الجيوش ولَبِسَ الملابس العسكرية، أو الشرطة، أو المصالح الحكومية الحاكِمَة، فإنه قد خرج مِن المِلَّة وارتد عن الإسلام، بفهمهم الخاطِئ لقضية المُوالاة والنُّصْرَة - أن هذا القولَ خارِجٌ عن عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وأنه غُلُوٌ في التكفير دون تَثَبُّتٍ.

وقد دَلَّ القرآن العظيم على أن وجود الإنسان في طائفةٍ غير مُسْلِمَةٍ لا يَلْزَمُ مِن ذلك كُفْره، قال الله -عز وجل-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) (النساء:92) ؛ فدَلَّت الآية على أن مجرد الانتماء إلى طائفةٍ كافِرَةٍ لا يَلْزَمُ منه أن يكون الشخص كافِرًا.

وكذلك تَرْكُ نُصْرَةِ طائفةٍ مُسْلِمَةٍ في مواجهتها لطائفةٍ كافرةٍ جَعَلَه كثيرٌ مِن الجماعات المُنحَرِفَة سببًا لتكفير مَن لم ينصرهم، وهذا خللٌ كبيرٌ، وخلافُ نَصِّ كتابِ اللهِ -عز وجَل-، وخلافُ ما كان مِن سُنَّةِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -عز وجل-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ) (الأنفال:72-73) .

ومع أن هذه الآية صريحة في أمر المُوالاة، وأن أيَّ طائفةٍ مُسْلِمَةٍ تستنصر بطائفةٍ مُسْلِمَةٍ أخرى في قتالها مع طائفةٍ كافرة يلزمهم النصر -إذا كان القتال على الدين- وتلزم النُّصْرَة في الدين، لكن إذا كان هناك بيْن الطائفة المؤمنة أو الدولة المسلمة وبيْن الطائفة المُحَاِربة لطائفةٍ أخرى عهدٌ وميثاقٌ، وصُلْحٌ وهُدْنَةٌ؛ فلا يجوز أن ينقضوا عَهدَهم بمُناصَرَة الطائفةِ المُسْلِمَةِ التي تقاتِل هذه الطائفةَ الكافِرَة؛ فوصف الحَرْبِيَّة وصفٌ نسبيٌ، وقد يكون وصفًا لطائفةٍ كافِرَةٍ مع طائفة مُسْلِمَةٍ، ولا يكون هذا الوصف هو ذاته نفس الوصف مع طائفةٍ أخرى؛ إذ يمكن أن يكون هؤلاء الكفار مُعَاهدين مع طائفةٍ، ومُحَارِبين لطائفةٍ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية