دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (3) دعوته ومعجزاته ورفعه
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما أراد الله أن يرفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً منهم، فخرج عليهم مِن عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب مِن أحدثهم سنًّا فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا. فقال: أنتَ هو ذاك؛ فألقي عليه شبه عيسى -عليه السلام-، ورُفع عيسى مِن روزنة في البيت إلى السماء. وجاء الطلب مِن اليهود؛ فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر بعضهم بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وقالت فرقه: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء هم المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بُعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-" (رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقال ابن كثير: هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم) .
- سؤال و جواب: ربما يسأل سائل ويقول: لماذا لم يرفعه الله دون قتل أحد فيكون في ذلك نجاة وآية وحجة على المكذبين؟!
والجواب: هو نفس الجواب على كثير مِن أقدار الله -عز وجل-، مثل: لماذا خلق الله إبليس؟ لماذا جعل إخراج آدم -عليه السلام- مِن الجنة بأكل الشجرة؟ لماذا خلق الله عيسى -عليه السلام- مِن أم بلا أب؟ وهكذا... فإن هناك حكم يريدها الله -عز وجل- مِن ذلك، ومنها: الابتلاء والامتحان، والتدافع بيْن الناس؛ ليميز الله الخبيث مِن الطيب.
3- أعظم الدروس: بيان أن الله منزه عن الولد:
- الآيات البينات في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقرر ذلك وتبيِّن كفر وضلال مَن اعتقد لله الولد: قال الله -تعالى-: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) (مريم:88-93) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا . لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ) (النساء:171-172) ، وقال -تعالى-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (المائدة:72-75) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الإخلاص) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ) (متفق عليه) .
- لوازم هذه العقيدة الفاسدة، وما صاحبها مِن افتراءات: (الله يضحي بنفسه -تعالى- لتخليص البشرية مِن خطيئة آدم، أو بولده عند طائفة منهم! - عدم توبة آدم - وصف الله بالظلم إذ يحاسب البشرية كلها على خطأ آدم - كون الأنبياء والمرسلين جميعًا أصحاب خطيئة ولا عبرة بدعوتهم الخلق للتوبة والعمل الصالح - تهوين المعاصي والذنوب والكبائر، بل والكفر في نفوس الناس بعد المسيح؛ لأنهم صاروا في نجاة مِن خطيئة آدم - ... ).