أشهر شُبُهات الطاعنين في السُّنة والرد عليها
الشيخ عادل نصر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنذكر بعض شبهات الطاعنين في السُّنَّة التي حاولوا أن يشغبوا بها على السُّنَّة؛ ليصلوا إلى هدمها والتشكيك فيها، مع الرد على هذه الشبهات وتفنيدها باختصار، وهذا هو مقصود رسالتنا للقارئ، ومَن أراد التفصيل فليرجع إلى المطولات وردود العلماء قديمًا وحديثًا.
الشبهة الأولى:
إنكار حجية السُّنَّة والاكتفاء بالقرآن فهو كما ذكر -عز وجل-: ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) (النحل:89) ، وكما قال -تعالى-: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) (الأنعام:38) ، فهو لا يحتاج إلى غيره.
والجواب: إن القرآن لا غنى له عن السُّنَّة؛ فهي المُبَيِّنة والشارحة له، وبدونها فلن يتمكن المسلم مِن امتثال ما أمره الله -عز وجل- مِن كتابه؛ حيث جاءت هذه الأوامر مجملة وتحتاج إلى بيان، كما هو الحال في الصلاة والزكاة وغيرهما.
أما قولهم بأن القرآن تبيان لكل شيء، فهو كتاب جامع لخيري الدنيا والآخرة، فهو رد عليهم؛ لأن مِن جملة تبيانه الأمر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبيان أنها مِن طاعة الله، وأن سنته وحي يُوحى، وأن الله -تعالى- كما أنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- الكتاب أنزل عليه الحكمة، وهي السُّنَّة، وكما أمر الله -تعالى- بتلاوة آيات الكتاب أمر بذكر الحكمة، قال الله -تعالى- آمرًا نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ) (الأحزاب:34) ، فحجية السُّنَّة ووجوب اتباعها ثابت بالقرآن، فالرافض للسُّنَّة الطاعن فيها هو في الحقيقة طاعن في القرآن لم يمتثل لأوامر ربه؛ فهو القائل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (النساء:59) ، ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (النساء:80) .
الشبهة الثانية:
قالوا: كيف نأخذ الدين مِن السُّنَّة أصولًا وفروعًا، وأغلبها أخبار آحاد واحتمال الخطأ والوهم "بل والكذب" وارد على الراوي، بخلاف القرآن فإنه قطعي منقول بالتواتر؟!
الجواب:
1- أن الله -عز وجل- قد أوجب علينا اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كتابه، وبيَّن لنا أن سنته هي بيان للقرآن: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ، وهذا عام لمَن كان في زمنه، وكل مَن يأتي بعده، ومعلوم أنه لا سبيل لمَن لم يرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في طاعته واتباع سنته إلا عن طريق الأخبار، فنكون مأمورين شرعًا بقبول أخبار الثقات العدول؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
2- أن أحكام القرآن ذاتها لن نتمكن مِن معرفتها والامتثال إليها إلا بالرجوع إلى السُّنة، ولن يتم ذلك إلا بقبول الأخبار والأحاديث الثابتة.
3- أن هناك أحكامًا يتفق عليها الجميع حتى أولئك الذين يردون الأخبار؛ كصفات الصلوات والزكاة ومناسك الحج، ومعلوم أنه لا سبيل إلى علمها إلا بما ورد في السُّنَّة.
4- أن الأخبار وإن ورد عليها احتمال الخطأ والوهم، لكن هذا الاحتمال بعد التثبت في الخبر والتأكد مِن عدالة الراوي وضبطه وعدم مخالفته للثقات يصبح احتمالاً ضعيفًا جدًّا؛ فإذا ما عضد الرواية نص آخر مِن كتاب أو سُنَّة يصبح هذا الاحتمال معدومًا.
5- أن هذه الاحتمالات -نعني: الخطأ أو الوهم، بل والكذب- واردة على الشهود والبيانات في إثبات الحقوق وغيرها مِن الخصومات، ومعلوم أنه لم يقل أحدٌ مِن العقلاء ألبتة أن الشهادات تُرد مطلقًا لورود هذا الاحتمال، بل الجميع متفق على أنه يكفي التثبت والتأكد مِن عدالة الشهود، فما الذي يَمنع ذلك في الرواية أيضًا؟!
الشبهة الثالثة:
قالوا: حتى لو قَبِلْنَا بحجية أحاديث الآحاد في فروع الدين، فلن نقبل بذلك في أصول الدين الذي لا بد أن يكون دليله قطعيًّا، وأحاديث الآحاد دلالتها ظنية، والظن لا يغني مِن الحق شيئًا.
والجواب: أن هذه شبهة مردودة مِن عدة وجوه:
(أ)- أن الله -تعالى- قال: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) (التوبة:122) ، والطائفة تقع على الواحد فأكثر.
(ب)- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل معاذًا إلى أرض اليمن قائلًا: ( إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ ) (متفق عليه) ، فدعاهم إلى أصول الدين وفروعه، وقامتْ به الحجة وهو واحد.
(جـ)- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرسل الرسل إلى ملوك الأرض لدعوتهم، وكانوا آحادًا، وقامت بهم الحجة عليهم، وغير ذلك مِن الأدلة كثير، وقد رد الإمام الشافعي على منكري حجية أحاديث الآحاد في كتابه "الرسالة" بالتفصيل، وكذا الإمام ابن حزم -رحمهما الله-.
أما زعمهم بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن، فقد قال الله -تعالى-: ( وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (النجم:28) ، فهو استدلال في غير موضعه؛ لأن الظن المعاب هنا هو الذي بمعنى الشك والخرص والتخمين، وهذا لا يؤخذ به في الأحكام، فكيف يؤخذ به في العقائد؟ وهو الذي عابه الله على المشركين بقوله: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) (الأنعام:116) ، وبقوله -تعالى-: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) (النجم:23) ، فالله -تعالى- أنكره عليهم إنكارًا مطلقًا، لم يخصه بعقيدةٍ دون حكم.