شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أشهر شُبُهات الطاعنين في السُّنة والرد عليها

الشيخ عادل نصر • قضايا معاصرة

وأما الظن الذي تفيده أحاديث الآحاد -على قول مَن يقول بذلك- إنما هو الظن الراجح لا المرجوح الذي عابه الله على المشركين؛ لأنه مبني على اتباع الهوى والخرص والتخمين؛ فهو أولى بالذم، وأما الراجح فقد مدحه الله -تعالى- في أكثر مِن آية؛ كقوله -سبحانه-: ( إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) (الحاقة:20-21) ، وقوله -تعالى- في وصف المؤمنين: ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (البقرة:46) ، ومِن هنا يتضح خطأ أهل الاعتزال الذين فسَّروا الظن الذي تفيده أحاديث الآحاد بظن المشركين، وهو زعم لا دليل عليه.

والقول بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن ليس موضع اتفاق بيْن العلماء، بل الخلاف بينهم قائم في ذلك؛ فجمهور الأصوليين على أنه يفيد الظن، وذهب جمهور أهل الحديث وأهل الظاهر وجماعة مِن العلماء على أنه يفيد العلم اليقيني، وذهب جماعة آخرون على أنه يفيد العلم إذا احتف بالقرائن.

قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله-: "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم، ومَن قال بقوله: مِن أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل، وهذا العلم يبدو ظاهرًا لكل مَن تبحَّر في علم مِن العلوم، وتيقنتْ نفسه بنظرياته، واطمأن قلبه إليها، ودَعْ عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بيْن العلم والظن؛ فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد".

الشبهة الرابعة:

قالوا: إن الله -عز وجل- تكفَّل بحفظ القرآن، فقال الله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، ولم يتكفل بحفظ السُّنَّة.

الجواب:

1- أن الآية دليل عليهم لا لهم؛ فالوعد بحفظ الذكر لا يقتصر على القرآن وحده، بل الدين كله؛ لأن هذا هو المراد بالذكر كما قال الله -تعالى-: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) ، أي أهل العلم بدين الله -عز وجل-.

2- أنه مِن المعلوم أن السُّنَّة هي بيان القرآن كما في قوله -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ؛ فحفظ القرآن حفظ بيانه وهي السُّنَّة؛ لأنه لا تقوم الحجة على الخلق إلا بذلك.

قال العلامة ابن حزم -رحمه الله-: "هذه دعوى كاذبة مجردة عن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- مِن قرآن أو سُنَّة حتى يبين بها القرآن، وأيضًا فإن الله -تعالى- يقول: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ، فصح أنه -عليه السلام- مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير: كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله -تعالى- فيه بلفظه، لكن نعلمه ببيان النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان بيانه -عليه السلام- لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه".

الصفحة السابقة