شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

شحاتة صقر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا" قذيفة مِن قذائف الحق، صاغها قلبُ عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- ثم أطلقها لسانُه، وأقرَّها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرددها يوم الخندق، فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي اللهُ عنهما- قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهْوَ يَقُولُ: ( وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا، وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ) (رواه البخاري) .

وفي رواية عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي اللهُ عنهما- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: ( اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا )، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: ( أَبَيْنَا أَبَيْنَا ) (متفق عليه) .

كم مِن أناس لا يصيبهم نور الهداية؛ لأنهم لا يُوَفَّقُون لأسبابها، فيظلون يعمهون في طريق الغواية -والعياذ بالله-!

ولتعلم أيها المسلم عِظَمَ نعمة الله عليك: انظر في حال أساتذة الجامعات، وعلماء الذرة والحاسبات، والطبيعة والأحياء والكيمياء، ممن يعبدون الحجر أو البقر أو البشر رغم وضوح الحق لكل ذي عقل، فالهداية نعمة مِن الله -عز وجل- يمُنّ بها على مَن يشاء مِن عباده، وتأمل في حال مَن ماتوا على الكفر أو النفاق مع معرفتهم بأن الإسلام هو الدين الحق، وأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ– هو النبي الخاتم، ورغم معاشرتهم للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ– ومعرفتهم به حق المعرفة ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (الأنعام:20) ، وتأمل أيها المسلم في حال مَن رأوا انشقاق القمر، ورغم ذلك لم يؤمنوا؛ تُدركْ أن ما أنتَ فيه مِن نعمة الإسلام فضلٌ محضٌ مِن الله عليك!

وتأمل في تحوُّل عمر بن الخطاب -رضي اللهُ عنه- مِن شدة العداوة للإسلام وأهله إلى شدة التمسك بالإسلام، حتى صار ينفر منه شياطين الجن والإنس؛ لقد كان في جاهليته يربط أخته فاطمة وزوجها إهانةً لهما حتى يرتدا عن الإسلام، قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ -رضي اللهُ عنه-: "لَوْ رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَرُ عَلَى الإِسْلاَمِ، أَنَا وَأُخْتُهُ، وَمَا أَسْلَمَ" (رواه البخاري) .

فليعلم المسلم أنه لولا الله -تعالى- ما وقف إنسانٌ موقفَ طاعة؛ لولا فضل الله -تعالى- ما صلى لله مُصلٍّ، ولا صام صائمٌ، ولا دعا داعية، فعلى المسلم أن يضع نصب عينيه وأن يستشعر بقلبه فضلَ الله -تعالى- عليه ونعمتَه، وعظيمَ إحسانه إليه، وأنَّ ما به مِن نعمةِ هدايةٍ، أو صحة جسم، أو ولد، أو سَعَة رزقٍ، وغير ذلك، فمِنَ الله وحده، فهو المُنْعِم بها عليه. قال الله -تعالى-: ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) (النحل:53) .

قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) : "وذكر (الاستعانة) بعد (العبادة) مع دخولها فيها؛ لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله -تعالى-، فإنه إن لم يُعِنْهُ الله، لم يحصل له ما يريده مِن فِعْل الأوامر، واجتناب النواهي".

والمتأمِّل في كتاب الله يجد أن نعمة التوفيق للهداية، والوقاية مِن الذنوب تشمل الأنبياء -عليهم السلام-: قال الله -تعالى-: ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ . لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ . فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) ( القلم:48-50) ، وصاحب الحوت هو يونس -عليه السلام- لم يصبر على قومه الصبر المطلوب منه، فنادى ربه، وهو مملوء غمًّا طالبًا تعجيل العذاب لهم، فلولا أن تداركه نعمة مِن ربه بتوفيقه للتوبة وقَبولها لَطُرِح مِن بطن الحوت بالأرض الفضاء المهلكة، وهو آتٍ بما يُلام عليه، فاصطفاه ربُّه لرسالته، فجعله مِن الصالحين الذين صلحتْ نياتهم وأقوالهم وأعمالهم.

وقال الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام-: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (يوسف:23-24) .

الصفحة التالية