وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
شحاتة صقر • التزكية
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف مِن محنة إخوته، وصبْرُه عليها أعظم أجرًا، لأنه صبْرُ اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدَّم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته فصبْرُه صبْرُ اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره، وليس له ملجأ إلا الصبر عليها طائعًا أو كارهًا، وذلك أن يوسف -عليه الصلاة والسلام- بقي مكرمًا في بيت العزيز، وكان له مِن الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك، أنْ ( رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ) أي هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه مِن غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر. ( وَ ) زادت المصيبة، بأن ( غَلَّقَتِ الأبْوَابَ ) وصار المحلّ خاليًا، وهما آمنان مِن دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعَتْه إلى نفسِها ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ) أي: افعَل الأمرَ المكروه وأقْبِلْ إليَّ، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مِثلُه ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبيْن معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها مِن الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزَبٌ، وقد توعَّدَتْه، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم!
فصبَر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي فيه؛ لأنه قد همَّ فيها همًّا تركه لله، وقدَّم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى مِن برهان ربه -وهو ما معه مِن العلم والإيمان الموجب لترك كل ما حرم الله- ما أوجب له البعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة.
و( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ) أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي، فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا مِن أعظم الظلم، والظالم لا يُفلح.
والحاصل أنه جعل الموانع له مِن هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح مَن تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه مِن برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه مِن عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسْدَى عليهم مِن النِّعم، وصرَف عنهم مِن المكاره ما كانوا به مِن خيار خلقه" اهـ .
ومما يجدر التنبيه عليه أن بعض أهل الإيمان أحيانًا ينخدع ببهرج أهل الباطل، فينقذهم الله -تعالى- بفضله، وعندما يشاهدون هلاك الظالمين يشعرون بعِظَم نعمة الله عليهم، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:76-83) .
إن الذين تمنوا حاله بالأمس أدركوا أن الله يوسِّع الرزق لمن يشاء مِن عباده، ويضيِّق على مَن يشاء منهم، وأدركوا أنه لولا أنَّ الله قد منَّ عليهم فلم يعاقبهم على ما قالوا لَخسف بهم كما فعل بقارون.
ونعمة الهداية يَشعر بها أهل الجنة وهم فيها يتنعمون؛ فيحمدون الله -تعالى- على أن وفَّقهم للعمل الصالح الذي أكسبهم ما هم فيه مِن النعيم، وما كانوا ليُوَفَّقوا إلى سلوك الطريق المستقيم لولا أَنْ هداهم الله -سبحانه- لسلوك هذا الطريق، ووفَّقهم للثبات عليه، قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:42-43) .