بَيَانٌ مِن "الدعوة السلفية" حول أُسس التعامل مع غير المسلمين
صوت السلف • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
1- القرآن كتاب نور وهداية: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) (النساء:174) ، وهو المصدر الأول مِن مصادر التشريع الإسلامي، وإليه يُرجع في معرفة حكم الله في التعامل بيْن المسلمين بعضهم البعض، والتعامل بينهم وبيْن غيرهم.
2- يجب على المسلم أن يؤمن به كله، وأن يعمل به كله؛ وإلا دخل تحت طائلة قوله -تعالى-: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (البقرة:85) .
3- أَمرَ القرآنُ الكريم بالدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (النحل:125) .
4- مع هذا الأمر بالجدال بالتي هي أحسن فقد نهى القرآنُ عن المُدَاهَنَةِ في الدين فقال: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (القلم:9) .
5- بُعِثَ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي العالم ديانات أهل الكتاب بالإضافة إلى الوثنيين والمجوس وغيرهم؛ فخاطبَ الجميع بقوله -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (آل عمران:19) ، وقوله: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وخصّ أهل الكتاب في مواطن متعددة مثل قوله -تعالى-: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ) (البينة:1-2) ، وقال: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) (المائدة:15) .
6- مما سبق يتضح أن: هذا "الوضوح" في العقيدة لا يخالِف الجدال بالتي هي أحسن، ويجمعُ بيْن الأمرين التطبيقُ العملي لسُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما أحسن وفادة وفد نصارى نجران، ولكنه ناظرهم، بل أمره الله أن يباهلهم في شأن عقيدتهم في عيسى -عليه السلام-، فقال -تعالى-: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (آل عمران:59-61) .
7- مِن المعلوم للقاصي والداني أن ركن الإسلام الأعظم وباب الدخول إلى الإسلام هو: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، والملل الأخرى تخالف الإسلام في أصل شهادة "أن لا إله إلا الله"، قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (المائدة:73) ، وقال: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) (المائدة:72) .
كما تخالف الإسلام في شهادة "أن محمدًا رسول الله"؛ وإلا لصاروا مسلمين، والقرآن يقرر كفر مَن أنكر نبوة نبيٍّ مِن الأنبياء؛ فكيف بمَن أنكر نبوة خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!
قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (النساء:150-151) ؛ ولذلك أجمع المسلمون عبْر العصور على "كفر كل الملل غير ملة الإسلام".
قال ابن حزم -رحمه الله- في "مراتب الإجماع": "واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا"، وكذلك قاله القاضي عياض -رحمه الله- في "الشفا ببيان حقوق المصطفى -صلى الله عليه وسلم-".
8- يعتقد المسلمون صحة إيمان أتباع جميع الأنبياء، ولكن إيمان مَن ينتسب إلى الأنبياء لا يكون صحيحًا إذا خالـَف أصل شهادة "أن لا إله إلا الله"، أو كذّب بنبيّ مِن الأنبياء "لا سيما محمد -صلى الله عليه وسلم-".
وبالتالي: "فكل ما وردَ في القرآن مِن إثبات الإيمان لليهود أو النصارى أو غيرهما إنما هو إثبات لإيمان أتباع الأنبياء قبْل بعثة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-"، ومِن ذلك قوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (المائدة:69) .