بَيَانٌ مِن "الدعوة السلفية" حول أُسس التعامل مع غير المسلمين
صوت السلف • المنهج السلفي
وأما مَن أدرك رسالة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فلم يثبُت الإيمان إلا لمَن آمن بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في مثل قوله -تعالى-: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) (المائدة:82) .
ومِن الخطأ البيِّن أن يتلو البعض هذه الآية دون أن يلحقها بالآية التي بعدها، والتي تبيِّنُ سببَ إثبات الإيمان لهؤلاء مِن قوله -تعالى-: ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (المائدة:83) ، فإنما "أثبت الله لهم الإيمان؛ لإيمانهم بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ودخولهم في دينه".
قال الدكتور "محمد سيد طنطاوي"، شيخ الأزهر السابق -رحمه الله- في كتابه (التفسير الوسيط): "قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى في سبب نزول هذه الآيات: والصواب في ذلك مِن القول عندي، أن الله -تعالى- وصف صفة قومٍ قالوا: "إنا نصارى"، وأن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسمّ لنا أسماءهم، وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشيّ، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام، فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه".
9- وإذا كانت الآيات التي استعرضناها في النقاط السابقة قد بيَّنت أمر العقيدة، فهناك آيات أخرى قد بيَّنت أسس التعايش بيْن المسلمين وبيْن غيرهم، والتي يحكمها قوله -تعالى-: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، وهذه الآية وغيرها تشرع حقوقًا لغير المسلمين على المسلمين -وجوبًا أو استحبابًا-.
ومما يثير العجب والدهشة: أن يعتبر البعض أن إثبات هذا الأمر يجعله يبدو في صورة المنّة، وليس في صورة الحق! ومِن ثَمَّ يريد أن يأخذ "المسيحي المصري" حقه مِن "الدستور"، وفي الواقع فإن "الدستور" يستند إلى مصادر، وأعلى هذه المصادر وأكثرها رسوخًا ما كان نابعًا مِن التزامٍ ديني كما هو حال التزام المسلم تجاه شركائه في الوطن، ثم يعبر عن هذا في الدستور، فهو حق شرعي أولًا، ودستوري ثانيًا، ولا تعارض بيْن الأمرين.
10- وأما ما يطالب به البعض مِن أن يبين علماء كل دين عقيدتهم دون التطرق لعقائد الآخرين؛ فغير ممكن عقلاً؛ وإلا فهل يُعقل ألّا يُدرس في عقائد المسيحيين موقفهم مِن نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو حتى موقفهم مِن الخلاف التاريخي بيْن الكنائس؟!
وأما الإسلام فلا تتم عقيدة التوحيد إلا بترك ما يضاده، وكما يُعلِّمُ المسلمون صغارَهم عقيدة الإسلام مِن خلال قوله -تعالى-: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الصمد) ، وغيرها مِن السور والآيات كثير.
11- وأخطر مِن هذا: ما ينادي به البعض مِن منع تدريس آياتٍ مِن القرآن الكريم في المدارس، أو حتى منع تفسيرها في برامج تليفزيونية دينية، يعلم الجميع مسبقًا أنها موجهة للمسلمين؛ مما ينفي عنها أي شبهة إساءة لغيرهم.
12- إن بناء الميثاق الاجتماعي على نوعٍ مِن الخداع والتضليل يجعله هشـًّا يوشك على الانهيار؛ فالإرهابيّون الذين يريدون تفجير الكنائس سيسهل عليهم جدًّا أن يقولوا: "إن ما يُقال لكم في هذا الموضوع برمته مصادم للقرآن الذي وصف المسيحيين وغيرهم بالكفر!"، وفي هذه الحالة سيكون هذا كافيًا عند مَن يعرف هذه الحقيقة القرآنية لأول مرة عن طريقهم -وسيعرفها حتمًا مبتورة عن الآيات التي تقرر المعاملة بالبر والإقساط- أن يُقدِم على هذه الجرائم، بخلاف مَن تعلّم الحقيقة كاملة؛ فإنه لا يمكن أن يتورط في هذا؛ لأنه يعلمُ أن الذي بيّن له تلك العقائد هو الذي أمره بالبر والإحسان مع مَن خالفها.
بل وكم رأينا خلافًا تجاريًّا أو حياتيًّا بيْن مسلم ومسيحي ممن لا ينتمون إلى جماعاتٍ إرهابية؛ يتحول إلى فتنةٍ طائفية؛ لعدم وجود الطرح المتوازن والإدراك التام للقضية مِن جميع أبعادها، مما يبين مدى هشاشة هذا البناء الذي يستسهله البعض.
13- وبصفةٍ عامة: فإن علاج وجود تفسير خاطئ لآياتٍ قرآنية هو نشر التفسير الصحيح لا منع نشر الآية ذاتها، وإلا كان هذا بمثابة ترك المجال لأصحاب التفسير الخاطئ أن ينفردوا بالآية وبتفسيرها، كما أن علاج وجود اجتزاء في عرض قضية معينة لا يعني إغلاق هذه القضية؛ بل يعني نشر الوعي بالقضية متكاملة.
14- وإذا كان لا بد مِن وضع قيود؛ فلتكن على برامج "التوك شو" التي تُقحم هذه الموضوعات كثيرًا، وبطريقةٍ مثيرة، ثم تشتكي مِن أنها تفرق بيْن أبناء الوطن؛ وإلا فعند تناول مسائل العقيدة في برامج دينية -يعلم المشاهد مسبقًا حالها- فإن الأمر لم يكن يسبب فتنة، وما أحاديث الشيخ الشعراوي عنّا ببعيد، ورغم تفسيره للقرآن -في التلفزيون المصري- بكل ما جاء فيه مِن مجادلة لأهل الكتاب، فقد كان -رحمه الله- أحد الذين يُطفئون الفتنة الطائفية، ومواقفه في ذلك مشهورة، وهي مواقف كانت محل تقدير وإجلال مِن كثيرٍ مِن القيادات المسيحية والكنسيّة.
15- تؤكد "الدعوة السلفية" على أن: سلوك أبنائها في ثورة "25 يناير"، وحماية الأقباط في فترة الانفلات الأمني -وهو ما شهد به الجميع وقتها-؛ يؤكد أن: "الجمع بيْن الوضوح العقدي والتعايش السلمي أمر مُشاهد وممكن التطبيق".
- الخلاصة:
نؤكِّد على أن المسائل الشرعية بصفةٍ عامة -ومنها مسألة علاقة المسلمين بغيرهم- لا يجوز أن تُعرض بطريقة الاجتزاء، أو أخذ طرف مِن القضية وترك الطرف الآخر.
وقضية علاقة المسلمين بغيرهم لها شقّان:
الأول: يتعلق بالعقيدة.
والثاني: يتعلق بالمعاملة.