شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (26) بيعة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وتنازله عن الخلافة

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلما ظهر مِن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه علامات الوداع ومفارقة الدنيا، قال له بعض مَن كانوا حوله: "استخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته، قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم" (رواه البيهقي والبزار) . وفي رواية: "أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني وتركتك فيهم" (رواه الهيثمي) .

فلما مات، جاء الناس وبايعوا ولده الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وكان أول مَن بايع الحسنَ قيس بن سعد، قال له: "ابسط يدك أبايعك على كتاب الله -عز وجل-، وسنة نبيه، وقتال المُحلِّين -المحل: الذي نقض العهد-، فقال له الحسن -رضي الله عنه-: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك يأتي مِن وراء كل شرط: فبايعه وسكت، وبايعه الناس" (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

"وقد اشترط الحسن بن علي -رضي الله عنهما- على أهل العراق عندما أرادوا بيعته، فقال لهم: إنكم سامعون مطيعون، تسالمون مَن سالمت، وتحاربون مَن حاربت" (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

وفي رواية ابن سعد: "إن الحسن بن علي أبي طالب -رضي الله عنه- بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ويرضوا بما رضي به" (رواه ابن سعد في الطبقات) .

ويُستفاد مِن الروايات السابقة ابتداء الحسن -رضي الله عنهما- في التمهيد للصلح فور استخلافه، وقد استمر أمير المؤمنين الحسن بن علي -رضي الله عنهما- بعد بيعته خليفة على الحجاز، واليمن، والعراق، وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وكانت خلافته هذه مدة خلافة راشدة حقة؛ لأن هذه المدة كانت تتمة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مدتها ثلاثون سنة، فقد روي الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

ثالثًا: الصلح بيْن الحسن بن علي ومعاوية -رضي الله عنهم-:

بويع الحسن -رضي الله عنه-، وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده، وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-، وباشر سلطته كخليفة؛ فرتب العمال، وأمّر الأمراء، وجنَّد الجنود، وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء، وكان في وسعه أن يخوض حربًا لا هوادة فيها ضد معاوية -رضي الله عنه-، وكانت شخصيته الفذة مِن الناحية السياسية، والعسكرية، والأخلاقية، والدينية تساعد على ذلك، مع وجود عوامل أخرى، كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وحاتم بن عدي الطائي، وغيرهما مِن قادة المسلمين الذين لهم مِن القدرات القيادية الشيء الكثير؛ إلا أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مال إلى السلم والصلح؛ لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، ورغبة فيما عند الله وزهدًا في الملك، وغير ذلك مِن الأسباب، وقد قاد الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مشروع الإصلاح الذي توّج بوحدة الأمة، وظل زمام الموقف في جانبه وبيده ويد أنصاره، وكانت جبهته العسكرية قوية كما جاء في رواية البخاري، وقد عبَّر عن ذلك عمرو بن العاص -رضي الله عنه- عندما قال: "إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا" (رواه البخاري) ، وقال الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: "كانت جماجم العرب بيدي تحارب مَن حاربت، وتسالم مَن سالمت" (أخرجه الحاكم في المستدرك) ، ولكن الحسن كان ذا خُلُقٍ يجنح إلى السلم، وكراهة الفتنة ونبذ الفرقة (1) .

وهذا الفعل مِن الحسن يُعد عَلَمًا مِن أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري مِن طريق أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: ( إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ ) (رواه البخاري) .

إن صلح الحسن مع معاوية -رضي الله عنهما- مِن الأحداث العظام في تاريخ الأمة الإسلامية، فمن ثمار هذا الصلح: حقن دماء المسلمين، وجمع كلمتهم على إمامٍ واحدٍ بعد سنواتٍ مِن الفرقة، ويٌعد الحسن -رضي الله عنه- أول خليفة يتنازل عن منصبه ويخلع نفسه طواعية، دون إجبار مِن أحدٍ، وذلك مع قدرته على أن يستمر في الحكم، ولكن الحسن -رضي الله عنه- كان ينظر إلى المصلحة العامة للأمة ويريد جمع شتاتها وتوحيد كلمتها، وبعد أن كشف الحسن عن نيته في الصلح مع معاوية -رضي الله عنه- وقعت المحاولة الأولى لاغتياله -رضي الله عنه-، وهذه المحاولة يبدو أنها قد جرت بعد استخلافه بقليل، فإن الحسن بن علي لما استخلف بعد مقتل علي -رضي الله عنه-، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، فوقعت في وركه فمرض منها أشهرًا ثم برئ، فقعد على المنبر فقال: "يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، أهل البيت الذين قال الله: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (الأحزاب:33) ، قال: فما زال يقول ذلك حتى ما رُئي أحد مِن أهل المسجد إلا وهو يخن -الخنين: البكاء في الأنف- بكاءً" (رواه ابن سعد في الطبقات) .

خروج الحسن -رضي الله عنه- بجيش العراق مِن الكوفة إلى المدائن:

الصفحة التالية