شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (26) بيعة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وتنازله عن الخلافة

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

بعد أن بايع أهل العراق الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قالوا له: "سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله، ارتكبوا العظيم وابتزوا -الابتزاز: هو أخذ الشيء بجفاء وقهر، وهو أيضًا الحصول على المال أو المنافع مِن شخص تحت التَّهديد بفضح بعض أسراره أو غير ذلك- الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يمكِّن الله منهم، فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثنى عشر ألفًا" (رواه ابن سعد في الطبقات) .

وبهذا يتضح أن أهل العراق هم الذين دفعوا الحسن -رضي الله عنه- إلى الخروج لقتال أهل الشام مِن غير رغبةٍ منه، وهذا الأمر قد أشار إليه ابن كثير -رحمه الله- بقوله: "ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدًا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعًا عظيمًا لم يُسمع بمثله، فأمّر الحسن بن علي، قيس بن سعد بن عبادة، على المقدمة في اثنى عشر ألفًا بيْن يديه، وسار هو بالجيوش في إثره قاصدًا بلاد الشام، فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بيْن يديه، وقد أظهر الحسن حنكة كبيرة دلت على سعهَ أفقه ودهائه وبصيرته، عندما لم يشأ أن يواجِه أهل العراق مِن البداية بميله إلى مصالحة معاوية وتسليمه الأمر؛ لأنه يعرف خفتهم وتهورهم، فأراد أن يقيم مِن مسلكهم الدليل على صدق نظرته فيهم، وعلى سلامة ما اتجه إليه، فوافقهم على المسير لحرب معاوية وعبأ جيشه" (البداية والنهاية لابن كثير) .

خروج معاوية -رضي الله عنه- مِن الشام إلى العراق:

بعد أن وصل خبر خروج الحسن -رضي الله عنه- مِن الكوفة إلى المدائن بجيوشه، أقبل معاوية -رضي الله عنه- في أهل الشام يريد الحسن -رضي الله عنه- حتى نزل جسر منيح -قرية في الجزيرة الفراتية-، ثم أقبل مِن جسر منيح إلى مسكِن -موضع على نهر دجيل عند دير الجاثليق به كانت الوقعة بيْن عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة 72هـ- في خمسة أيام وقد دخل يوم السادس، وقد تأخر خروج معاوية -رضي الله عنه- وكان ذلك بعد سماعه لخروج الحسن بجيوشه، وكان معاوية قد أصيب إصابة بليغة مِن جراء محاولة الاغتيال التي تعرض لها مِن قِبَل الخارجي البرك بن عبد الله التميمي، حين خرج لصلاة الفجر، وهي المحاولةَ التي نفذت في نفس فجر اليوم الذي اغتيل فيه علي -رضي الله عنه-، وهو فجر يوم الجمعة السابع عشر مِن شهر رمضان سنة 40هـ على الصحيح المشهور مِن الأقوال. (البداية والنهاية لابن كثير) .

وقد أشار الخلاَّل إلى شدة إصابة معاوية -رضي الله عنه- في الرواية التي أخرجها مِن طريق جُنْدُبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي رَكْبٍ فَنَزَلَ سَعْدٌ وَنَزَلْتُ، وَاغْتَنَمْتُ نُزُولَهُ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي إِلَى جَانِبِهِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ طٌعن طَعْنَا بَيْنَنَا لَا أُرَاهَا إِلَّا قَاتِلَتُهُ، وَإِنَّ النَّاسَ -يقصد الخوارج- قَاتِلُونَ بَقِيَّةَ أَصْحَابِ الشُّورَى وَبَقِيَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِنْ وُلِّيتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ، أَوْ تَشُقُّ عَصَاهُمْ، وَأَنْ تُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ، أَوْ تَدَعَهُمْ إِلَى أَمْرِ هَلَكَةٍ. فَحَمِدَ سَعْدٌ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ لَا أَشُقُّ عَصَاهُمْ، وَلَا أُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ، وَلَا أَدْعُهُمْ إِلَى أَمْرِ هَلَكَةٍ حَتَّى يَأْتُونِي بِسَيْفٍ. يَقُولُ: يَا سَعْدُ، هَذَا مُؤْمِنٌ فَدَعْهُ، وَهَذَا كَافِرٌ فَاقْتُلْهُ"( السُّنة لأبي بكر الخلال) .

وبينما الحسن -رضي الله عنه- في المدائن، إذ نادى منادٍ مِن أهل العراق: إن قيسًا قد قُتل فسرت الفوضى في الجيش، وعادت إلى أهل العراق طبيعتهم في عدم الثبات، فاعتدوا على سرادق الحسن -رضي الله عنه-، ونهبوا متاعه حتى إنهم نازعوه بساطًا كان تحته، وطعنوه وجرحوه، وهنا حدثت حادثهَ لها دلالة كبيرة، فقد كان والي المدائن مِن قِبَل علي -رضي الله عنه-، سعد بن مسعود الثقفي، فأتاه ابن أخيه المختار بن أبي عبيد بن مسعود، وكان شابًا، فقال له: "هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن، وتستأمن به إلى معاوية، فقال له عمه: عليك لعنة الله، أَثِبُ على ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَأُوثِقُهُ! بئس الرجل أنتَ!" (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

فلما رأى الحسن -رضي الله عنه- صنع أصحابه أيقن أنه لا فائدة منهم، ولا نصر يُرجى على أيديهم، وهذه كانت قناعته منذ البداية، فدفعه ذلك إلى قطع خطوات أوسع والاقتراب أكثر مِن الصلح.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فقد كان بمقدور الحسن أن يقاتِل معاوية بمَن كان معه، وإن كان أقل ممن كان مع معاوية، صنيع الذين قاتلوا خصومهم على قلةٍ مَن كان معهم مِن الأعوان والأنصار، ولكن الحسن كان ذا خُلُقٍ يجنح إلى السلم وكراهة الفتنة ونبذ الفرقة، جعل الله به رأب الصدع، وجمع الكلمة" (منهاج السُّنة 4/ 536) .

الصفحة السابقة