لماذا لم نستثمر فرصة وجوده؟! (3)
رجب صابر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن الأسباب والعوائق التي تحول بيننا وبيْن استثمار شهر رمضان والاستعداد المناسب له.
6- ضعف الاستعانة بالله -عز وجل-:
قال الله -تعالى-: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة:5) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقدم المفعول وهو ( إِيَّاكَ )، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، فالأول تبرؤ مِن الشرك. والثاني تبرؤ مِن الحول والقوة، والتفويض إلى الله -عز وجل-، وهذا المعنى في غير آية مِن القرآن، كما قال -تعالى-: ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (هود:123) ، ( قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ) (الملك:29) ، ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) (المزمل:9) ، وكذلك هذه الآية الكريمة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )" (تفسير ابن كثير) .
وقال السعدي -رحمه الله-: "وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها؛ لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله -تعالى-، فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده مِن فعل الأوامر واجتناب النواهي" (تيسير الكريم الرحمن) .
وكما قال ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين: "فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه وتنفيذ أوامره".
فلا بد للعبد مِن الاستعانة بالله والتوكل عليه في تحقيق مرضاته؛ وإلا فأخبرني كيف ينشط العبد في الطاعات في رمضان وغيره وهو ضعيف في الاستعانة بالله والتوكل على الله؟!
7- ضعف مجاهدة النفس:
يقول المقدسي في "مختصر منهاج القاصدين": "اعلم: أن التاجر كما يستعين بشريكه في التجارة طلبًا للربح، ويشارطه ويحاسبه، كذلك العقل يحتاج إلى مشاركة النفس، ويوظف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ثم لا يغفل عن مراقبتها، فإنه لا يأمن خيانتها وتضييعها رأس المال، ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه التجارة ربحها الفردوس الأعلى، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم مِن تدقيقه بكثير مِن أرباح الدنيا، فحتْمٌ على ذي عزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها، فإن كل نفَس مِن أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها".
ثم قال في كلامه عن المجاهدة: "وهو أنه إذا حاسب نفسه فينبغي إذا رآها قد قارفت معصية أن يعاقبها كما سبق، فإن رآها تتوانى بحكم الكسل في شيء مِن الفضائل أو ورد مِن الأوراد، فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها، كما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه فاتته صلاة في جماعة، فأحيا الليل كله تلك الليلة، وإذا لم تطاوعه نفسه على الأوراد فإنه يجاهدها ويكرهها ما استطاع، ومما يستعان به عليها أن يسمعها أخبار المجتهدين وما ورد في فضلهم، ويصحب مَن يقدر عليه منهم، فيقتدي بأفعاله. قال بعضهم: كنتُ إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى وجه محمد بن واسع وإلى اجتهاده فعملتُ على ذلك أسبوعًا" (انتهى باختصار) .
فالعبد يحتاج إلى مجاهدة نفسه وحملها على الطاعات حملاً، أما مَن غفل عن ذلك فإنه يضيع أوقات عمره بما في ذلك مواسم الطاعات، مثل شهر رمضان.
8- آفات الخلطة:
اعلم أن هناك سمومًا مِن سموم القلب تؤثر على حياته، ومِن أكثر هذه السموم انتشارًا وأشدها تأثيرًا: "فضول الكلام - وفضول النظر - وفضول المخالطة - وفضول الطعام - وفضول النوم".
"وفضول المخالطة هو الداء العضال الجالب لكل شر؛ ففي فضول المخالطة خسارة الدنيا والآخرة، ومما تؤثره المخالطة امتلاء القلب مِن دخان أنفاس بني آدم حتى يسوَدَّ ويوجب له تشتتًا وتفرقًا، وهَمًّا وغمًّا، وضعفًا وحملاً لما يعجز عن حمله مِن مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسُّم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟! وكم أنزلت خلطة الناس مِن محنة وعطلت مِن منحة، وأحلت مِن رزية، وأوقعت مِن بلية، وهل آفة الناس إلا الناس؟!
والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير: كالجمعة والجماعة والأعياد والحج، وتعلم العلم والجهاد والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات، فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يتمكن مِن اعتزالهم؛ فالحذرَ الحذرَ أن يوافقهم وليصبر على أذاهم فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكنه أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم وثناء عليه منهم، ومِن المؤمنين، ومِن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها بغض له ومقت وذم منهم ومِن المؤمنين، ومِن رب العالمين، فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلاً، وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ويشجع نفسه ويقوي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك، فيستعن بالله ويؤثر فيهم مِن الخير ما أمكنه، فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسلَّ قلبه مِن بينهم كسلِّ الشعرة مِن العجين، وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، يسمع كلامهم ولا يعيه؛ لأنه قد أخذ قلبه مِن بينهم ورقي به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على مَن يسره الله عليه" (انتهى بتصرف مِن البحر الرائق في الزهد والرقائق) .
وكم أضاعت خلطة الناس في العمل والمواصلات وفي البيوت وفي الزيارات، مواسمَ الطاعات وأوقات القربات بما في ذلك شهر رمضان.
9- الغفلة عن صحبة الصالحين: