شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا لم نستثمر فرصة وجوده؟! (3)

رجب صابر • التزكية

ليس هناك أشأم على السائر إلى الله مِن البطالة وصحبة البطالين، فالصاحب ساحب، والقرين بالمقارن يقتدي، ولما أراد قاتل المائة أن يتوب حقـًّا، قيل له: ( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ) (رواه البخاري ومسلم واللفظ له) ، فلا بد لَمن أراد تحصيل المغفرة مِن شهر "رمضان" أن يترك المخْلِدين إلى الأرض، ويزامل ذوي الهمم العالية كما قال الجنيد -رحمه الله-: "سيروا مع الهمم العالية".

وقد أمر الله خير الخلق -صلى الله عليه وسلم- بصحبة المجدين في السير إلى الله وترك الغافلين، فقال -عز مِن قائل-: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف:28) ، وقال -عز وجل-: ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ ) (لقمان:15) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (التوبة:119) .

فلو صحب الإنسان مَن يظنون أن قيام الساعة مِن الليل إنجاز باهر؛ فهو مغبون لن يعدو قدره، بل سيظل راضيًا عن نفسه مانًّا على ربه بتلك الدقائق التي أجهد نفسه فيها، ولكنه لو رأى الأوتاد مِن حوله تقف الساعات الطوال في تهجد وتبتل وبكاء وهم متقالُّونها؛ فأقل أحواله أن يظل حسيرًا كسيرًا على تقصيره مرددًا:

أنا العـبـد المخـلـَّف عن أناسٍ حوَوْا مـن كل معروف نصيـبًا

"والبحث عن ذوي الهمم والمروءات، وأصحاب السر مع الله بُغية كل مخلص في سيره إلى الله.

قال زين العابدين -رحمه الله-: "إنما يجلس الرجل إلى مَن ينفعه في دينه".

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إخواننا أحب إلينا مِن أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة".

وقال الشاعر:

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ولكنَّ إخوان الثـقات الذخائر

وكان مِن وصايا السلف انتقاء الصحبة، قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن لكَ مِن خليلك نصيبًا، وإن لك نصيبًا مِن ذِكر مَن أحببت، فانتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس".

فاجتهد أيها الأريب باحثًا عن أعوان المسير أصحاب الهمم العالية، ابحث عنهم في المساجد بالضرورة، اسأل عنهم في مجالس التقاة، مع هذه الصحبة تتعاونون على تدارك الثواني والدقائق، تحاسبون أنفسكم على الزفرات والأوقات الغاليات، لو فرط أحدكم في صلاة الجماعة وجد مَن يستحثه على عقاب نفسه كما كان يفعل ابن عمر -رضي الله عنهما-.

ترى البطالين يصلون التراويح سويعة، ثم يسهرون ويسمرون ويسمدون، وتضيع عليهم صلاة الفجر ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) (الكهف:104) .

لا، أيها الرشيد، تعالَ أخبرك بحال مَن اجتمعوا على السير إلى الله: أوقاتهم بالذكر وتلاوة القرآن معمورة، مساجدهم تهتز بضجيج البكاء مِن خشية الله، تراهم ذابلين مِن خوف الآخرة، وعند العبادة تراهم رواسي شامخات كأنهم ما خلقوا إلا للطاعة، ليس في قاموسهم: فاتتني صلاة الجماعة، دع عنك أصل الصلاة، تراهم في قيامهم وقعودهم خاشعين كأنهم على حياءٍ مِن الله، يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

ليلهم... وما أدراك ما ليلهم؟!

نحيب الثكالى يتوارى عند نشيجهم، صلاتهم في الظلام تُجلَّل بأنوار الكرامة، فهم في حللها يتبخترون، وببهاء مناجاتهم لربهم يتيهون، فهم في نعيم الأنس يتقلبون، وبلذيذ الخطاب يستمتعون" (انتهى بتصرف واختصار مِن القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان) .

وإياك والاغترار بصحبة مَن التزم بالهدي الظاهر دون تحقيق الالتزام الحقيقي، فقد يكون هذا النوع عائقًا لكَ عن العبادة، فقد يكون كثير الكلام فيما لا ينبغي أو مِن المقبلين على الدنيا وملذاتها أو أخلاقه سيئة أو همته دنية، فتصحبه وتتأثر به وأنتَ تظن يا مسكين أنك بهذا تصحب الصالحين.

فابحث عمن يحملك على السير إلى الله لا مَن يقعدك، وابحث عمن تنفعك صحبته لا مَن تضرك، وفرَّ مِن المثبطين فرارك مِن الأسد، وإلا فأنتَ قد أخذت بسببٍ مِن أسباب ضياع عمرك؛ فضلاً عن مواسم الطاعات، مثل شهر رمضان.

10- تحول العبادة إلى عادة:

ليس بمستغربٍ تحوّل كثير مِن شئون الحياة إلى عاداتٍ تتكرر علينا حتى نألفها، وتصبح ممارستها ومزاولتها أمرًا تلقائيًّا لا يحرك في النفس ساكنًا ولا يثير فيها كامنًا، ولئن كان ذلك مقبولًا في شئون حياتنا الدنيوية؛ فلا شك أنه مِن غير المقبول تمامًا أن ينسحب ذلك على عباداتنا التي نتقرب بها إلى الله!

فإن مِن الآفات الخطيرة العظيمة أن تتحول العبادة إلى عادة، يؤديها الواحد منا دون أن تترك أثرًا في نفسه أو سلوكه.

وتأمل -رعاك الله- في عبادة مِن العبادات "وهي الصلاة"، ذكر الله عنها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر, لكن عندما تحولت إلى عادةٍ مِن العادات عند الكثير منا؛ أصبحت لا تنهى عن الفحشاء ولا المنكر!

لقد صرنا نقوم بالعبادة بطريقةٍ آلية وحركات روتينية، وبدلاً مِن أن نحول عاداتنا بالنية الصالحة إلى عباداتٍ صارت عباداتنا كأنها عادات حتى في كثير مِن الأحوال في رمضان، فيتحول الصيام وكأنه عادة، ويصير القيام كأنه عادة، وتصبح تلاوة القرآن وكأنها عادة؛ لمَ لا وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في وصف الخوارج: ( يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ) (متفق عليه) ، أي لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل (شرح مسلم للنووي) ، على أحد الاحتمالين في معنى الحديث، وربما تصير التراويح عادة، والاعتكاف عادة، وهكذا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية