بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن القرآن ليس كتابًا معجزًا فحسب -على تعدد وتنوع ألوان إعجازه-؛ تحدى الله به الأولين والآخرين، ووقف أمامه الإنس والجن عاجزين مدوهشين أمام إحكامه وإتقانه، كما قال الله -تعالى-: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (الإسراء:88) ، وقال -تعالى-: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (هود:1) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) (الجن:1-2) .
بل إن القرآنَ روحٌ تسري في القلوب؛ فتمدها بأسباب الحياة، واليقين والثبات، والسعادة في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) (الشورى:52) .
فالقرآن هو الحياة الحقيقية التي مَن لم يعرفها كان ميتًا ، قال الله -تعالى-: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) (الأنعام:122) .
وقال -تعالى- ناعيًا على الكفار استرسالهم في غيهم وضلالهم، وعدم خضوعهم وانقيادهم لهذا القرآن العظيم مع وضوح دلائل صدقه وظهورها: ( فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ) (الانشقاق:20-21) .
أي ما لهم عذر أو حجة أو مانع مِن ذلك؛ إذ القرآن حقيق بأن يخضع له!
فهو كما وصفه الله -تعالى-: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ) (البروج:21) .
قال القاسمي -رحمه الله-: "( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ): أي سامٍ شريف، لا يماثل في أسلوبه وهدايته" (تفسير القاسمي) .
وقال السعدي -رحمه الله-: "وسيع المعاني عظيمها، كثير الخير والعلم" (تفسير السعدي) .
وقال -تعالى-: ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) (ق:1) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وَقَوْلُهُ: ( وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) أَيِ: الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (تفسير ابن كثير) .
فالقرآن كتاب عظيم، كثير الخير والعلم والهدى، لا يأتيه الباطل مِن بيْن يديه، ولا مِن خلفه؛ بالغ التأثير على كل مَن أصغى إليه، وحضر قلبه.
قال الله -تعالى- عن القرآن وأثره في النفوس: ( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ) (الزمر:23) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وَقَوْلُهُ: ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ): أَيْ هَذِهِ صِفَةُ الْأَبْرَارِ، عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ الْجَبَّارِ، الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لِمَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُهُمْ مِنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ، ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) لِمَا يَرْجُونَ ويُؤمِّلون مِنْ رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ" (تفسير ابن كثير) .
- وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) (الطور:35-37) . قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ! وَقَالَ: "وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي". (رواه البخاري) .
- وعن عكرمة، قال: جَاءَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل:90) ، قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وَإِنَّ أَعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلُهُ لَمُغْدِقٌ، وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ!" (دلائل النبوة للبيهقي) .
- والقرآن ليس تأثيره على الإنس وحدهم، فحين استمع إليه نفر مِن الجن كان قولهم: ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) (الجن:1-2) .
- بل إن القرآن لا يقتصر تأثيره على قلوب الأحياء فحسب مِن الإنس والجن، قال الله -تعالى-: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (الحشر:21) .
- قال أبو عمران الجوني -رحمه الله-: "وَاللهِ لَقَدْ صَرَفَ إِلَيْنَا رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- فِي هَذَا الْقُرْآنِ مَا لَوْ صَرَفَهُ إِلَى الْجِبَالِ لَمَحَاها وَدَحَاهَا".