شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

وقال الإمام الشوكاني -رحمه الله- في تفسير هذه الآية الكريمة: "أي مِن شأنه وعظمته، وجودة ألفاظه وقوة مبانيه وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبلٍ مِن الجبال الكائنة في الأرض؛ لرأيته مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة وضخامة الجرم خاشعًا متصدعًا، أي: متشققًا مِن خشية الله -سبحانه-؛ حذرًا مِن عقابه، وخوفًا مِن أن لا يؤدي ما يجب عليه مِن تعظيم كلام الله، وهذا تمثيل وتخييل يقتضي علو شأن القرآن، وقوة تأثيره في القلوب" (فتح القدير للشوكاني) .

- وكان مالك بن دينار -رحمه الله- يقرأ هذه الآية: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ ) ثم يقول: "أقسم لكم لا يؤمن عبدٌ بهذا القرآن إلا صُدَّع قلبهُ!".

- وقال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ) (الرعد:31) .

"عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: قَالُوا لِمُحَمَّدٍ -صلّى الله عليه وَسَلَّمَ-: لَوْ سَيَّرْتَ لَنَا جِبَالَ مَكَّةَ حَتَّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيهَا، أَوْ قَطَّعْتَ لَنَا الْأَرْضَ كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أَوْ أَحْيَيْتَ لَنَا الْمَوْتَى كَمَا كَانَ يُحْيِي عِيسَى الْمَوْتَى لِقَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا )" (تفسير ابن كثير) .

وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية الكريمة: "يَقُولُ -تَعَالَى- مَادِحًا لِلْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمُفَضِّلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ) أَيْ: لَوْ كَانَ فِي الْكُتُبِ الْمَاضِيَةِ كِتَابٌ تَسِيرُ بِهِ الْجِبَالُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، أَوْ تُقَطَّعُ بِهِ الْأَرْضُ وَتَنْشَقُّ أَوْ تُكَلَّمُ بِهِ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهَا؛ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعْجَازِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَنْ آخِرِهِمْ إِذَا اجْتَمَعُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَا بِسُورَةٍ مِنْ مَثَلِهِ!" (تفسير ابن كثير) .

- فهذا القرآن العظيم أسر قلوب مَن آمن به، وأقر بجلاله وكماله، وقهر مَن كفر به وصد عنه!

- وإنما منع الكثير منا مِن تذوق حلاوة القرآن وعظمته وحصول أثره العظيم في النفوس، ما همْ عليه مِن الجهل بمعاني القرآن وأحكامه ودلالاته، فإن أكثر مَن يعتني بالقرآن في زماننا إنما تنصرف همته إلى حفظ حروف القرآن وتجويدها دون تدبره وفهمه؛ إضافة إلى ما في القلوب من الغفلة والران، والذنوب التي تحول بينهم وبيْن هذا المذاق الرائق الذي تذوقه مَن كان على دراية بالقرآن وتعظيم له.

- قال وهيب بن الورد -رحمه الله-: "قِيلَ لِرَجُلٍ: أَلَا تَنَامُ؟ قَالَ: إِنَّ عَجَائِبَ الْقُرْآنِ أَذْهَبَتْ نَوْمِي" (حلية الأولياء) . وقيل لبعضهم: "ما لي أَرَاكَ لا تَنَامُ؟! قَالَ: إِنَّ عَجَائِبَ الْقُرْآنِ أَطَرْنَ نَوْمِي، فَمَا أَخْرُجُ مِنْ أُعْجُوبَةٍ إِلا وَقَعْتُ فِي أُخْرَى!" (التبصرة لابن الجوزي) .

- وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "عجبتُ لمَن يقرأ القرآن ولم يعلم تأويله؛ كيف يلتذ به؟!".

- وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "كَانَ أَحَدُهُمْ يَبِيتُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيُصْبِحُ يُعْرَفُ ذَلِكَ فِيهِ, وَأَحَدُهُمُ الْيَوْمَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا يَحْمِلُ بِهِ رِدَاءَ كَتَّانٍ!" (حلية الأولياء) .

قال الله -تعالى-: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (محمد:24) .

وقال -تعالى- مبينًا أن مِن مقاصد إنزال القرآن على رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ تدبره وفهمه: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29) ؛ لأن القرآن كثير البركة والخير، يهدي للتي هي أسد وأحكم وأعدل في كل الأمور، والمواقف والأحوال، كما قال الله -تعالى-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (الإسراء:9) .

فجدير بنا أن نقبل على القرآن؛ تلاوة، وحفظـًا، وعملاً، وتدبرًا؛ وخصوصًا في هذا الزمن الفضيل، في شهر رمضان ( الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (البقرة:185) .

نسأل الله -جلَّ في علاه- أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وأحزاننا.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة