شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حكم السحر... شرح المنة (20)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

السحر أصله في اللغة : كل ما لَطُفَ ، وخفي ، والسحر حرام بالإجماع ، ومن الكبائر.

قال -تعالى-: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلك سليْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)

وفي الحديث: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ.....) الحديث

حكم الساحر:

واختلفوا في كفر الساحر:

فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، ومنهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين ، فلا يكفر.

وفَصَّل الشافعي فقال: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما يعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يُلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته كفر.

ولعل هذا التفصيل هو الأقرب، وهناك من العلماء من يُطْلِق الكفر، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ في ذكر نواقض الإسلام، فذكر منها السحر ومنه الصرف والعطف، والصحيح في هذا الأمر أنه لا بد من التفصيل.

فهناك ساحر يكون سحره عبارة عن خفة يد كالحاوي أو ساحر السيرك مثلاً، وكذلك ما يفعله كثير من الشباب على سبيل اللعب، فمثل هذا الفعل يُسأل فيه الساحر عن كيفية ما يفعله، فإن كان عن تقرب للشياطين وتعظيمها وعبادتها أو كان مردداً لكفر اعتقادي، كاعتقاد أن الكواكب والنجوم هي التي تدبر، وأنه يتقرب إليها.

أو إذا كان متضمناً لفعل شركي وكفري ككتابة الآيات القرآنية بالبول أو المنيّ، فمثل هذا لا شك في كفر من يفعله، وكذا من تقرب إلى الشياطين بعباداتٍ كمن يسجد للشياطين، ومن يذبح لهم، فهذا من الشرك الذي لا خلاف فيه بين العلماء.

وأما إذا وصف دخاناً وأدويةً يخلطها على بعضها، وأثناء الدخان يفعل ما يفعل ويخدع الناس بذلك، فهذا لا بد أن يعتقد تحريمه، لأن تحريمه مُجْمَعٌ عليه، فإن استحله كفر، لأنه استحل معلوماً من الدين بالضرورة أنه حرام، فإذا لم يكن معلوماً فلا، فإن كثيراً من الناس اليوم في زماننا لا يدرون أن فِعْل الحاوي لا يجوز، وكذا المشاهدة لساحر السيرك الذي يُظهر ويدّعي فعل ما لا يقدرون عليه من إحياء الأموات أو تقطيع الإنسان دون موت، وقلب الحمامة منديلاً، والمنديل حمامة لا يجوز، فهذا يَدَّعِى أنه يخلق من الجماد حيواناً، فمن اعتقد أنه يملك ذلك كفر أيضاً وهو طاغوت، أما لو قال: هذه خفة يد، وحيل وألاعيب، وأنا لا أقدر على الخلق حقيقة، فهو تلبيس وتمويه على الخلق فمن استحله كفر، فينظر في جهله وعلمه هو ومن يشاهده، والجهل اليوم عظيم جداً، والناس يصفقون في السيرك للسحرة جهلاً منهم.

والآية دلت على أن السحر المُتَعَلَّم من الشياطين كفر ، لأن الله -سبحانه وتعالى- قال : (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) (البقرة: من الآية102)، فالسحر المُتَعَّلم من الشياطين ومن الملكين هاروت وماروت كفرٌ بدلالة القرآن: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) (البقرة: من الآية102)، فهما قبل التعليم يُحذِّران مَن يتعلم منهما مِن أن يكفر، ويخبران أنهما فتنة وامتحان للبشر، وهذا هو الذي نعرفه من قصة هاروت وماروت، وما نعلم زيادة على ذلك من كتابٍ أو سُنةٍ صحيحة، وهناك آثار موقوفة كثيرة من الإسرائيليات التي يجب التوقف فيها.

ونقول: هناك ملكان ببابل اسمهما هاروت وماروت جعلهما الله -عز وجل- فتنة للعباد، وهذا الجَعل جَعْلٌ كوني قدّر الله أن يكون فتنة، أما كونهما طائعين أم عاصيين، ولماذا فعل الله بهما ذلك؟ فالله -تعالى- أعلم، فقد كانا فتنة وكان هناك مَن يذهب مِن الناس إليهما، ويطلب منهما تعلم السحر، فَقَبْل أن يعلماه يقولان له إنما نحن فتنة فلا تكفر -وهذا بخلاف السحرة والشياطين الذين لا يُحذرون من الكفر- فإذا أصرَّ أن يتعلم ويكفر بالله وخرج منه نور الإيمان فعلموه السحر.

الصفحة التالية