اتخاذ القبور مساجد...شرح المنة (21)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
1- منهم من يرى بطلانها مطلقاً سواء أكانت في مسجد أم لم يكن هناك مسجد بل ذهب إلى القبر ليصلي بجواره ، كأن يكون القبر داخل بيت مثلاً أو حديقة ، فيذهب الناس إلى ذلك المنزل ليصلوا عند القبر ، فهؤلاء قد اتخذوا هذا القبر مسجداً وإن لم يكن عليه مسجد ، فمن العلماء من يقول : الصلاة باطلة ، سواء أكان قاصداً أم لم يقصد .
2- ومنهم من يقول : الصلاة مكروهة كراهة تحريم ، ومن المتأخرين من يطلق الكراهة ، لكن كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم ، بلا شك ، لأنه من إحسان الظن بالعلماء ، أنهم لا يقولون عن شيء لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاعلَه أنه مكروهٌ كراهة تنزيه ، فكيف يلعن النبي -صلى الله عليه وسلم- من فعل شيئاً ، ثم يقولون عنه مكروه تنزيهاً ؟! فهذا لا يمكن ، إنما يلعن من أتى كبيرة من الكبائر.
ولذلك نقول : الصحيح في ذلك التفصيل :
1- فمن كان قاصداً القبر لأجل الصلاة عنده، أو قصد المسجد تبركاً وتعظيماً لصاحب القبر ، فصلاته باطلة .
2- وأما من صلى اتفاقاً لأجل أنه يريد أن يحضر درس علم لشيخ يظنه عالماً، أو هو عالم ببعض فنون العلم كالتجويد مثلاً ، فهذا صلاته صحيحة مع الإثم.
3- وأما من صلى وهو لا يعلم بوجود القبر، فصلاته صحيحة ، ولا يأثم لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، والعلم شرط من شروط التكليف ، فقد روى البخاري معلقاً في صحيحه ، أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -رضي الله عنه- رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ ، فَقَالَ عُمَرُ :القَبْرَ القَبْرَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ ، فدل على أن صلاته صحيحة .
وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهدم كل قبر مرتفع مشرف ، فالمسلم الحريص على التوحيد يتجنب الصلاة في المساجد التي بُنيت على القبور سداً لذريعة الشرك .
قال -تعالى-: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سـبأ:22)
، (لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ( مِلكاً مستقلاً من دون الله -تعالى - ، ( وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ) أي على سبيل المشاركة مع الله -تعالى- ، (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ): أي مِن مُعِيِن ، (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، لم يَبْقَ إلا الشفاعة ، فأثبت سبحانه الشفاعة الشرعية ونفى الشفاعة الشركية .
قول بعض المشايخ المعاصرين : ( إن عدم جواز الصلاة في المساجد التي بها قبور هو مذهب بعض المتأخرين والأمر يسير ) هذا كلامٌ منكرٌ وباطلٌ ، فكيف يَلعن النبيُ -صلى الله عليه وسلم- شيئاً أو فعلاً ، ثم نقول عنه : أمر يسير.
وقد نبه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس ، كما في حديث سَمُرَة بن جُنْدَب ، بل هذا الأمر شِبه متواتر في الحقيقة كما ذكر الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في كتاب ( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ) ، فقد ذكر ثلاثة عشر حديثاً صحيحاً عن ثلاثة عشر صحابياً أو أكثر في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، فهذا مستفيضٌ وشِبه متواتر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- حذر من ذلك لأن فيه فتنةً عظيمةً جداً.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته حَذَّرَ من أعظم البدع التي سوف تؤثر على أمته، حيث قال قبل وفاته بخمس: (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) .
وفي رواية أخرى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ) ، وهذه الخطبة فيها ردٌ على ثلاثة من أخطر البدع :
1- الجهمية المعطلة للصفات ، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال : ( وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ ) ، والخُلَّةُ شدة المحبة ، فالله -تعالى- يحب النبي -صلى الله عليه وسلم- أشد الحب .
2- الرافضة الذين يَسُبُّون أبا بكر -رضي الله عنه- ويقولون : ليس بخليفة ، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى خلافته بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ ، لا تُبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ ) .
3- الصوفية الذين يتخذون القبور مساجد ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ) .
سبق تخريجه ص (133).
رواه البخاري(1390 ، 3454) ، ومسلم (529) ، والنسائي (703) ، وأحمد (23540 ، 24374 ، 25646) ، والدارمي (1367).
