اتخاذ القبور مساجد...شرح المنة (21)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
بالنسبة لأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ فالذي يظهر أنها كانت تصلي في حجرتها بعد دفن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد دفن أبي بكر -رضي الله عنه- وهذا ليس بممنوع ، فإذا دُفِنَ إنسان في منزله ـ مع كون ذلك خلاف الأولى والأفضل ، وقال بعض أهل العلم بعدم الجواز ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا) ، ويحمل الحديث على ظاهره أنه ينهى عن الدفن في البيوت ـ فهذا المكان يمكن أن يصلي المصلي فيه دون قصد القبر بالصلاة ، فعائشة رضي الله عنها لم تكن تقصد إلى القبر فتصلي ـ فهذا قطعاً لم يحدث ـ بل كانت تصلي في بيتها ، فمثل ذلك لا يُمنع منه ، ولم تكن تأتي للقبر قصداً ، فلو أن إنساناً دُفِنَ في بيته لم تحرم الصلاة فيه ، بل يحرم أن يأتيه الناس من بعيد قاصدين الصلاة هناك لأجل القبر ، ويحرم أن يُتَّخَذَ حوله بناء ويجعل وقفاً مسجداً يقصد للصلاة ، فلو بُنِيَ مسجد بجوار قبر ، أو بُني من أجل قصد القبر فهذا يدخل في النهي ، لكن لو أن أُناساً بيوتهم بجوار المقابر وملتصقة بها مباشرةً فليس بمُحَرمٍ أن يُصلوا في هذه البيوت لأنها بيوتهم ولم يقصدوا القبور من أجلها، فهكذا عائشة -رضي الله عنها- بعد دفن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه.
رواه مالك (416) ، وصححه الألباني في المشكاة برقم (750) .
فالمكان الذي يُتخذ للصلاة يصير بذلك مسجداً ، والمسجد إنما سُمِّىَ مسجداً للصلاة والسجود فيه ، وفي الحديث المرفوع: (وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) ، فجعل كل مكان هو صالحٌ للسجود فيه ، يُسمى عند الصلاة فيه مسجداً .
رواه البخاري (1197 ، 1189) ، ومسلم (827 ، 1397) ، والنسائي (700) ، وأبو داود (2033) ، والترمذي (326) ، وابن ماجة (1410) ، وأحمد (27922 ، 27925) ومواضع أخرى في المسند .
أما لو افترضنا على سبيل المثال أن المسجد كان بجوار المقابر فاحتيج إلى التوسعة مثلاً ، فوسَّعوا وصارت المقابر خلف المسجد أو على يمينه أو شماله مع وجود فاصل ، فهذا هو الذي يمكن أن تكون الصلاة فيه جائزة ، مع أن فيه من الشبهة وذريعة اتخاذ القبور مساجد ما فيه ، وكذلك لو وسَّعوا المسجد حتى صار الفاصل بينه وبين القبور جدارً أو طريقاً صغيراً ، فهذا لا يُنهى عن الصلاة فيه ، طالما أن القبور ليست في القبلة مباشرةً ، وكان هناك فاصلٌ كما ذكرنا .
وراجع كتاب تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للإمام الألباني ـ رحمه الله ـ فله كلام نفيس في هذه المسألة .
ولا عبرة بأن يكون الشيخ الفلاني فعل ذلك وإنما العبرة بكلام الله -تعالى- وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع السلف .
الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لا تجوز، ولو لم يجد الإنسان غير الصلاة في الطريق ، فليصل في الطريق ولا يصلِّ في ذلك المسجد ، لأن هذه البقعة منهي عن الصلاة فيها.
رواه البخاري : بَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ.
