الصحابة في القرآن
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعادة ما تقترن الدعوة إلى إنكار السنة مع الدعوة إلى الطعن في الصحابة -رضي الله عنهم-، ومن ثمَّ فعندما يُحتج على هؤلاء الزنادقة بفضائل الصحابة -رضي الله عنهم- في السنة؛ يُجيبون بأنهم لا يرون صحة هذه الأحاديث، بل ربما بالغ بعضهم في الوقاحة فزعم أن الصحابة أنفسهم هم الذين وضعوا الأحاديث في فضائلهم.
ولما كان كل منتسب إلى الإسلام -مهما بلغ إجرامه- لا يجرؤ على الطعن في القرآن؛ كان من المناسب إفحام هؤلاء القوم بالحجة القرآنية مع إيماننا وتصديقنا بأحاديث فضائلهم -رضي الله عنهم- من باب قول الخليل -عليه السلام- للملك الظالم: ( فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) (البقرة:258) ، فنسأل الله -عز وجل- أن تكون تلك الآيات البينات في فضائل الصحابة الكرام إلجامًا لشانئيهم؛ فمن ذلك:
وُصف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الكتب السماوية السابقة -التوراة والإنجيل- على أفضل ما يوصف به المؤمن، فجاءت صفتهم بأنهم: أشدّاء على الكفار، رحماء بينهم، وأنهم ركّعٌ سجّدٌ، وأنهم يبتغون فضل الله ورضوانه، وأن سيماهم في وجوههم من أثر السجود، وهذا كله قطعًا فيهم، وقد أخبر سبحانه عن ذلك، فقال: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الفتح:29) .
ومن صفاتهم المكتوبة فيها: أنهم عظـّموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونصروه، واتبعوه، واتبعوا تعاليمه وسننه وهديه، وأحكام كتابه الذي أنزل عليه، والسنن التي نزلت معه، فوعدهم الله بذلك الرحمة الواسعة، والخير والحسني، وقد أخبرنا الله -تعالى- عن ذلك في القرآن الكريم؛ فقال -عز وجل-: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:156ـ157) .
ولاحظ أن هذا الوصف قد ذكره الله -عز وجل- جوابًا لدعوة موسى -عليه السلام- الذي اختار قومه، فلم يجد فيهم غير سبعين رجلاً جاءوا يستغفرون الله فأخذتهم الرجفة، فدعا موسى -عليه السلام- ربه فناسب في هذا الجمع الذين هم خيرة بني إسرائيل أن يذكِّرهم الله -عز وجل- بفضل محمد -صلى الله عليه وسلم-، وليس فضله فقط، بل وفضل أولئك الذين يؤمنون به ويوقرونه وينصرونه، هذا وصفهم في الكتب السابقة، وأنزله الله في قرآنه؛ لتعلم الأجيال القادمة فضيلة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أما صفتهم في القرآن الكريم؛ فالقرآن مليءٌ بفضلهم، وخلقهم، وأدبهم، وشجاعتهم، وصدقهم، وعلوّ شأنهم، وعظيم مكانتهم، وكان القرآن ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيثني على الصحابة -رضي الله عنهم- في كل موضع نصروا فيه الله ورسوله، فمن ذلك:
قال الله -تعالى- في فضل المهاجرين: ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحشر:8) .
وفي هذه الآية وغيرها فضيلة لا يمكن لأحد من الأمة أن يدركها بعد عصر الصحابة، وهو ثناء الله على بواطنهم بقوله: ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا )، كما أن فيها حصرٌ للصدق فيهم بقوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )، وهذا أسلوب حصر، ولذلك قال غير واحد من السلف في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (التوبة:119) ، إنهم هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وهكذا الأنصار، وفيهم قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر:9) .
وقدَّم الله أهل "بدر" على من سواهم: في الفضل، والجهاد، والسبق، يقول الله -عز وجل-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (آل عمران:123) .
وكذا أهل بيعة الرضوان، وفيهم يقول سبحانه: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (الفتح:18) ، وهذه الآية وغيرها شهادة لهم -رضي الله عنهم- برضا الله عنهم، وهي شهادة لجميع أصحاب بيعة الشجرة بالجنة، وأما اختصاص العشرة بأنهم المبشرون بالجنة؛ فذلك لأنهم وردوا في سياق واحد من قوله -صلى الله عليه وسلم-، فدل هذا علي فضيلة خاصة بهم.
