الصحابة في القرآن
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ويقول الله -عز وجل- في صدقهم وثباتهم على الحق والإيمان والمبدأ، ونبيل خلقهم: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (الأحزاب:23) ، والظاهر في هذه الآية أنها أنزلت مرتين: مرة يوم أحد في مجموع أبطال اُحد، ورأى الصحابة أن من أولاهم دخولاً فيها: أنس بن النضر -رضي الله عنه-، ونزلت مرة ثانية في غزوة "الخندق" في سعد بن معاذ خاصة، أو أنها تشملهم.
وذُكِر بعضهم بالاسم، وهو زيد -رضي الله عنه- في قوله -تعالى-: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ) (الأحزاب:37) .
وذكر بعضهم بالكناية عنهم وصفتهم، كأبي بكر -رضي الله عنه- في قوله -سبحانه وتعالى-: ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى . وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) (الليل:17-21) ، وكما في قوله -عز وجل-: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (الزمر:33) ، وكما في قوله -تعالى-: ( إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (التوبة:40) .
وكعليّ -رضي الله عنه- وغيره ممن يشملهم قوله -تعالى-: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) (الإنسان:8-10) .
وكصهيب -رضي الله عنه- في قوله -سبحانه وتعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (البقرة:207) .
وأما أعجب ما يمكنك أن تجده من حب الله -عز وجل- لصحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فتجده في عتاب الله لهؤلاء الأخيار على أخطائهم -على ندرتها-، وهي المواطن التي تتوقع أن تجد فيها شدة؛ إلا أن سابقة القوم إلى الإيمان، ونصرتهم للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- شفعت لهم عند أرحم الراحمين، وقد قدّر الله على بعضهم المعصية -أحيانـًا-؛ لنتعلم منهم حال خطأهم كما تعلمنا منهم حال صوابهم، فنرى توبتهم، وندمهم، واستغفارهم، ثم نرى رحمة الله بهم ومغفرته لهم، فنطمع إذا سرنا على طريقهم أن ننال مثل عفوهم.
ففي "أُحُد" قال الله -سبحانه وتعالى- معاتبًا إياهم على ما بدر من تقصير بعضهم: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) (آل عمران:155) ، بيد أن الآية لم تتم حتى ذكر الله فيها عفوه عنهم.
وكذلك في "حُنـَيْن" ذكر إكرامه لهم فقال: ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) (التوبة:26) .
وفي "تبوك" يذكرهم منته عليهم بالتوبة؛ لاتباعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في ساعة العسرة فقال: ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:117) .
