شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (9)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالنوع الرابع مِن أنواع العهود مع الكفار -التي يُعصَم بها دمُ الكافر ومالُه-: "الأمان"، وهو نوعان: أمانٌ مِن المسلمين لكافرٍ يدخل بلادَهم ويدخل بلاد الإسلام. والثاني: أمانٌ مِن الكفار لمُسلِم يدخل بلاد الكفر، فيكون أمانًا منه لهم عند عامة أهل العلم.

وهو عقد شخصي في نوعيه لآحاد الكفار مِن آحادٍ مِن المسلمين، ومِن الكفار لآحاد المسلمين.

ونبدأ بالنوع الأول، وهو: "أمان المسلمين لآحاد الكفار": وهذا أَصلُه قوله -سبحانه وتعالى-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ) (التوبة:6) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- لنبيه -صلوات الله وسلامه عليه-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) الذين أَمَرْتُكَ بقتالهم، وأحللتُ لك استباحة نفوسهم وأموالهم، ( اسْتَجَارَكَ ) أي: استَأمَنَك، فأَجِبْهُ إلى طُلْبَتِه ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ) أي: (القرآن)، تقرؤه عليه وتذكر له شيئًا مِن أمر الدِّين تُقِيم عليه به حُجَّة الله، ( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ) أي: إنما شَرَعْنا أمانَ مِثْلِ هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده.

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في تفسير هذه الآية، قال: إنسانٌ يأتيك يسمع ما تقول وما أُنزِل عليك؛ فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاء، ومِن هذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُعطي الأمانَ لمَن جاءه مسترشدًا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعةٌ مِن الرسل مِن قريش، منهم: عُرْوَة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسُهَيل بن عمرو، وغيرُهم، واحدًا بعد واحدٍ، يترددون في القضية بينه وبيْن المشركين، فرأوا مِن إعظام المسلمين رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ما بَهَرَهُم، وما لم يشاهدوه عند مَلِكٍ ولا قَيْصر؛ فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثالُه مِن أكبر أسباب هداية أكثرِهم.

ولهذا أيضًا لما قَدِم رسول مُسَيْلِمَة الكَذَّاب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: أتشهد أن مُسَيْلِمَة رسولُ الله؟ قال: نعم. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وقد قَيَّضَ الله له ضرب العُنُقِ في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النَّوَّاحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمُسَيْلِمَة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: "إنك الآن لست في رسالة"، وأمر به فضُرِبَت عُنُقُه، لا رحمه الله، ولعنه.

والغَرَض أن مَن قَدِم مِن دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالةٍ، أو تجارةٍ، أو طلب صُلْحٍ أو مُهَادَنَةٍ، أو حَمل جِزْيَةٍ، أو نحو ذلك مِن الأسباب، فطَلَب مِن الإمام أو نائبه أمانًا، أُعْطِيَ أمانًا ما دام مُتَرَدِّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه وموطنه. لكن قال العلماء: لا يجوز أن يُمَكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سَنَة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما بيْن ذلك -فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سَنَةٍ- قولان عن الإمام الشافعي وغيره مِن العلماء -رحمهم الله-" (انتهى مِن تفسير ابن كثير) .

وقال أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-: "يقول -تعالى ذِكْرُه- لنَبِيِّه: وإن استأمنك يا محمد مِن المشركين، الذين أمرتُك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ ليسمع كلام الله منك -وهو القرآن الذي أنزله الله عليه- ( فَأَجِرْهُ ) يقول: فأمِّنْهُ حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه، ( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله -إن هو أبَي أن يُسْلِم، ولم يتعظ لما تلوته عليه مِن كلام الله فيؤمن- "إلى مَأْمَنِه" يقول: إلى حيث يَأْمَنُ منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه مِن المشركين ( ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ )، يقول: تفعل ذلك بهم مِن إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن، وردِّك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، مِن أجل أنهم قومٌ جَهَلة لا يفقهون عن الله حُجَّة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم مِن الوِزْر والإثم بتركهم الإيمان بالله" (انتهى مِن تفسير الطبري) .

وقال الإمام القرطبي -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ )، فيه مسائل:

الأولى: قوله -تعالى-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي: مِن الذين أَمَرْتُك بقتالِهم. ( اسْتَجَارَكَ ) أي: سَأَلَ جِوَارَك، أي أَمانَك وذمامك؛ فأَعْطِه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه. فإن قَبِلَ أمرًا فحَسَنٌ، وإن أبى فرُدَّه إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه. والله أعلم.

قال مالك: إذا وُجد الحربي في طريق بلاد المسلمين، فقال: جئتُ أَطلُب الأمان. قال مالك: هذه أمور مشتبهة، وأرى أن يرد إلى مأمنه. وقال ابن قاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرًا بساحلنا، فيقول: ظننتُ ألا تعرضوا لمَن جاء تاجرًا حتى يبيع. وظاهر الآية إنما هي فيمن يريد سماع القرآن، والنظر في الإسلام، فأما الإجارة لغير ذلك؛ فإنما هي لمصلحة المسلمين، والنظر فيما تعود عليهم به منفعته.

الصفحة التالية