شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (9)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الثانية: ولا خلاف بيْن كافة العلماء أن أمان السلطان جائز؛ لأنه مقدم للنظر والمصلحة، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار. واختلفوا في أمان غير الخليفة، فالحر يمضي أمانه عند كافة العلماء؛ إلا أن ابن حبيب قال: ينظر الإمام فيه. وأما العبد فله الأمان في مشهور المذهب، وبه قال الشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وأبو ثور وداود ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: لا أمان له، وهو القول الثاني لعلمائنا. والأول أصح؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، قالوا: فلما قال: ( أَدْنَاهُمْ ) جاز أمان العبد، وكانت المرأة الحرة أحرى بذلك، ولا اعتبار بعلة "لا يسهم له". وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يجوز أمان المرأة إلا أن يجيزه الإمام، فشذ بقوله عن الجمهور. وأما الصبي فإذا أطاق القتال جاز أمانه؛ لأنه مِن جملة المُقاتِلَة، ودخل في الفئة الحامية.

وقد ذهب الضحاك والسدي إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (التوبة:5) ، وقال الحسن: هي مُحْكَمَةٌ، سُنَّة إلى يوم القيامة، وقاله مجاهد. وقيل: هذه الآية إنما كان حكمها باقيًا مدة الأربعة الأشهر التي ضُرِبت لهم أجلًا، وليس بشيء. وقال سعيد بن جبير: جاء رجل مِن المشركين إلى علي بن أبي طالب، فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قُتِل؟ فقال علي بن أبي طالب: لا؛ لأن الله -تبارك وتعالى- يقول: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ )، وهذا هو الصحيح. والآية مُحْكَمَةٌ" (انتهى مِن تفسير القرطبي) .

وروى أبو داود والنسائي بإسنادٍ صحيح عن عَلِيّ -رضي الله عنه- إذ سأله قيسُ بن عُبَادٍ، قال: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: ( الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ).

قال الخطابي في معالم السُنَن -رحمه الله-: "( يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ): يريد أن العبد، ومَن كان في معناه مِن الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذين لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافرًا أمضى جوارهم ولم تُخْفَر ذمتهم، وقوله: ( وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، معناه: أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا عَقَد للكافر عقدًا؛ لم يكن لأحدٍ منهم أن ينقضه، وإن كان أقرب دارًا مِن المعقود له.

قلتُ: وهذا إذا كان العقد والذمة منه لبعض الكفار دون عامتهم، فإنه لا يجوز له عقد الأمان لجماعتهم، وإنما الأمر في بذل الأمان وعقد الذمة للكافة منهم إلى الإمام -على سبيل الاجتهاد وتحري المصلحة فيه- دون غيره، ولو جُعِلَ لأفناء الناس ولآحادهم أن يعقدوا لعامة الكفار كل ما شاءوا؛ صار ذلك ذريعة إلى إبطال الجهاد، وذلك غير جائز.

وقوله: ( وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ): فإن معنى اليد المُعاوَنة والمُظاهَرَة؛ إذا استُنْفِروا وَجَب عليهم النفير، وإذا استُنجِدوا أَنْجَدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا. والمُشِدّ: المُقَوِّي. والمُضْعِف: من كانت دوابّه ضِعافًا. وجاء في بعض الحديث: "المُضَعّف أمير الرفقة": يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف، لا يتقدمونه؛ فيتخلف عنهم، ويبقى بمضيعة. والمتسري: هو الذي يخرج في السَّرِيّة، ومعناه: أن يخرج الجيش فينيخ بقرب دار العدو ثم ينفصل منهم سرية فيغنموا، فإنهم يردون ما غنموه على الذين هم ردء لهم، لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية مِن البلد؛ فإنهم لا يردون على المقيمين في أوطانهم شيئًا.

وقوله: ( لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ): فإنه قد دخل فيه كل كافر، له عهد وذمة، أو لا عهد له ولا ذمة. وقوله: ( وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ ) فإن العهد للكفار على دربين: أحدهما: عهد مُتَأَبِّد، كمن حُقِنَ دمه بالجزية، والآخر: مَن كان له عهدٌ إلى مُدَّة، فإذا انقضت تلك المُدَّة عاد مباح الدم كما كان" إلى أن قال: "( وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ ) أي: لا يُقتَل معاهد ما دام في عَهدِه. قال: وإنما احتيج إلى أن يجري ذكر المعاهد، ويؤكد تحريم دمه هاهنا؛ لأن قوله: ( لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ) قد يوهم ضعفًا وتوهينًا بشأنه، ويوقع شبهة في دمه، فلا يُؤمَن أن يستباح إذا علم أن لا قَوَد على قاتِله؛ فوَكَّد تحريمَه بإعادة البيان لئلا يَعرِض الإشكال في ذلك" (انتهى مِن معالم السنن) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة