علامات حسن الخاتمة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض مِن الموعظة:
ترقيق القلوب وشحذ النفوس؛ للاستعداد للقاء الله -تعالى-.
المقدمة:
- الموت وختام الحياة الدنيا حتم لازم، ولا بد حاصل: قال الله -تعالى-: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (آل عمران:185) ، وقال: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) (الزمر:30) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَانِي جِبْرِيلُ -عليه السلام- فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ, وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ, وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزِّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ ) (رواه الطبراني والحاكم، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
- أوصى الحق -تبارك وتعالى- عباده أن يختموا حياتهم بخاتمةٍ حسنة: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران:102) ، وقال: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) .
- الصالحون مشغولون بحسن الخاتمة، وإن أعطوا ما أعطوا مِن حسنات الدنيا: قال الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام-: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (يوسف:101) .
- مِن علامات الفوز أن يموت العبد على عمل صالح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا ) (رواه البخاري) .
مِن علامات حسن الخاتمة:
(1) نطق كلمة التوحيد عند الاحتضار:
عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
- قصة مؤثرة حول ذلك: (موت أبي زرعة الرازي): عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ الْبَادِيَّ، قَالَ: حَضَرْتُ مَعَ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الرَّازِيِّ عِنْدَ أَبِي زُرَعَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّازِيِّ، وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقُلْتُ لِأَبِي حَاتِمٍ: تَعَالَ حَتَّى نُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ أَبِي زُرْعَةَ أَنْ أُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ، وَلَكِنْ تَعَالَ حَتَّى نَتَذَاكَرَ الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَبَدَأْتُ، فَقُلْتُ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَأُرْتِجَ عَلَيَّ الْحَدِيثُ حَتَّى كَأَنِّي مَا سَمِعْتُهُ وَلَا قَرَأْتُهُ. فَبَدَأَ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ مَا قَرَأَهُ وَلَا سَمِعَهُ. فَبَدَأَ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَرَجَتْ رُوحُهُ مَعَ الْهَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُولَ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (أخرجه ابن البناء في فضل التهليل وثوابه الجزيل) .
(2) الموت بعرق الجبين:
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
قال بعض أهل العلم: قيل: هو لما يعالِج مِن شدة الموت، فقد تبقى عليه بقية مِن ذنوب، فيشدد عليه وقت الموت ليخلص منها. وقيل: هو مِن الحياء، فإنه إذا جاءته البشرى مِن الملائكة مع ما كان قد أقترف مِن الذنوب، حصل له بذلك خجل وحياء مِن الله -تعالى-، فعرق لذلك جبينه. وقيل: يحتمل أن عرق الجبين علامة جعلتْ لموت المؤمن، وإن لم يعقل معناه (التذكرة للقرطبي) .
(3) الاستشهاد في سبيل الله:
قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (آل عمران:169-170) ، وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ ) (متفق عليه) .
(4) الموت بالأمراض والحوادث القاتلة: