الغفلة والتغافل
سعيد السواح • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن أخطر الأدواء والأمراض التي يُصاب بها الإنسان "الغفلة".
والأخطر مِن ذلك: أن يتغافل المصاب؛ فلا يسعى لعلاج ذلك الداء الذي يأخذ الإنسان إلى الهاوية ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) (الأنبياء:1-3) ، ( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) (الأنبياء:97) ، ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (ق:19-22) .
الغفلة المهلكة المدمرة:
فعندما يغفل الإنسان عن المهمة التي خُلق مِن أجلها والوظيفة التي كُلف بها، ويعيش هائمًا على وجهه بلا هدف أو غاية؛ فإنما هو يسير في اتجاه الهاوية.
ولذا نقول لك أيها الإنسان: لماذا خلقك ربك؟!
فلا أشك أبدًا انك لن تخطئ في الإجابة التي لا يخطئ فيها الصغير قبْل الكبير، فالكل عند ذلك يردد: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذاريات:56-58) .
فإن عدنا إلى كتاب ربنا الذي قال لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بشأنه عندما وقف خطيبًا وسط هذه الحشود التي أتتْ مِن كل حدبٍ وصوبٍ، وذلك في حجة الوداع حيث قال: ( وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ ) (رواه مسلم) .
فإن عدنا لنقلِّب في صفحات مصاحفنا كما كنا نقلبها في رمضان -عندما كنا نجتهد في قراءته، ونجتهد في أن نختمه مرة بعد مرة- سنرى أول نداء نادى الله فيه جميع خلقه، وذلك بترتيب المصحف حيث نادى على المسلم والكافر، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والطائع والعاصي، والبر والفاجر: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ) (البقرة:21) .
وذكر لنا الحيثيات التي بها يستحق أن يُعبد دون سواه فقال: ( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:21-22) .
فهل ترى أننا قمنا بتحقيق العبادة المطلوبة منا؟!
الأمر يحتاج أولاً أن نقف على ملامح ومعالم العبودية؛ فالله خلقنا لعبادته ولم يتركنا لكي نتصور العبادة المطلوبة كل حسب رؤيته ووجهة نظره، ولكن كما بيَّن لنا وظيفتنا في الحياة، فقد تفضَّل وامتنّ علينا فبيَّن لنا ما هي ملامح ومعالم العبادة المطلوب تحقيقها؟ فأنزل -سبحانه- كتابه على رسوله -صلى الله عليه وسلم- لكي يعلمنا كيف نتعامل مع رسالات الله إلينا: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:151) ، ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .
وأنزل الله رسالته على رسوله مِن أجل إخراجنا مِن الظلمات إلى النور المبين، ومِن الضلال إلى الحق المبين، فقال -تعالى-: ( قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا . رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (الطلاق:10-11) .
فلنتفق على أن:
- الله -تعالى- خلقنا لعبادته.
- وأنزل لنا رسالته التي بيَّنت ملامح ومعالم العبودية المطلوبة.
- وأرسل لنا رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لكي يعلمنا كيف نتعامل مع رسالة ربنا -تعالى-.
فإن استقر ذلك في نفوسنا؛ فلتكن البداية قبْل الانطلاق إلى تحقيق ما هو مطلوب أن نقوم بدراسة تلك الرسالة التي أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ولقد قرأنا في رسالة ربنا -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (البقرة:208) ، فلقد أوجب الله -تعالى- المذاكرة للمنهج والاستيعاب حتى ننطلق، ونحن على بصيرةٍ وبيِّنة للمطلوب، ولقد أوصانا الله -تعالى- أن نستقيم على المنهج حتى نلقاه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:102) .
كما أوصى بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم-: ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:89-99) ، وأوصانا جميعًا أن نستمسك بشريعته ودينه حتى نلقاه، وأننا سنسأل عن رسالة ربنا إذا وقفنا بيْن يديه فأوصانا جميعًا: ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) (الزخرف:43-44) .