الغفلة والتغافل
سعيد السواح • التزكية
ولقد نادى الله علينا ألا نغفل عن يوم الحساب، وهو يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم، ورؤية الآخرة مِن أكبر العوامل المحرِّكة نحو الاستقامة على المنهج: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ . لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ ) (الحشر:18-20) .
فالمسلم المستجيب ينظر في دواوينه التي سُطرت عليه، وينظر في زاده الذي ادخر لمثل ذلك اليوم؛ لينظر: هل زاده المُدخر يشفع له عند ربه؟
- هل زاده المُدخر ينجيه مِن النيران؟
- هل زاده المُدخر سيأخذ بيده إلى الجنان؟
فالمسلم المستجيب لا يغفل عن يوم الحساب، ويعلم أنه لا ينفعه إلا عمله الذي قدَّم؛ ولذا كان مستوعبًا لنداء ربه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ . وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المنافقون:9-11) ، فلم ينشغل بعطايا ربه عن رضا المُعطي.
ولم ينشغل بنعم ربه عن رضا المُنعم، واجتناب سخطه وغضبه وعذابه، بل علم بالمهمة وسعى جاهدًا لإنقاذ نفسه، بل وإنقاذ أهله مِن النيران متمثلاً في ذلك: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم:6) .
وعلم أنه لا عذر ينفع إذا وقف بيْن يدي الملك الديان الذي لا تخفى عليه خافية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (التحريم:7) ، فسعى جاهدًا لطريق ربه المستقيم الموصل إلى رضوان الله وجنته، تائبًا منيبًا، يرجو رحمته ويخاف عذابه؛ لعلمه أنه لا ملجأ ولا منجى مِن الله إلا إليه! ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (التحريم:8) .
اللهم لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنت، وعليكَ توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت.
والحمد لله رب العالمين.