صفحات مِن ذاكرة التاريخ (27) بيعة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وتنازله عن الخلافة
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وقد أورد البلاذري خطبة الحسن -رضي الله عنه- التي ألقاها في أتباعه، ومحاولة قتله -رضي الله عنه-، فقال: "إني أرجو أن أكون أنصح خلقه لخلقه، وما أنا محتمل على أحدٍ ضغينة، ولا حقدًا، ولا مريدًا به غائلة، ولا سوءًا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا مِن نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليَّ، غفر الله لي ولكم. فنظر بعض الناس إلى بعض، وقالوا: عزم والله على صلح معاوية، وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه، فدخلوه، وانتزعوا مصلاه مِن تحته، وانتهبوا ثيابه، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي، فنزع مطرفه -أي رداءه- مِن عاتقه، ثم تعرض للحسن الجراح بن سنان (2) ، وكان يرى رأى الخوارج، فقعد للحسن ينتظره فلما مرَّ الحسن ودنا مِن دابته فأخذ بلجامها، أخرج الجراح معولاً -حديدة ينقر بها الصخر- كان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك مِن قبْل، وطعنه بالمعول في أصل فخذه، فشق في فخذه شقـًّا كاد يصل إلى العظم، وهذه محاولة أخرى لاغتيال الحسن -رضي الله عنه-، وضرب الحسن وجهه، ثم اعتنقا وخرا إلى الأرض، ووثب عبد الله بن الخضل الطائي، فنزع المعول مِن يد الجراح، وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات، وحُمل الحسن إلى المدائن، ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب، وقام عليه حتى برئ وحوَّله إلى أبيض المدائن -يسمَّى القصر الأبيض، يقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة-.
وفي بعض الروايات: أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- خطب الناس في قصر المدائن، فقال: "يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي -تسلو نفسي- عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلِكم أبي، ومطعِنكم بغلتي، وانتهابِكم ثقلي -أو قال: ردائي عن عاتقي-، وإنكم قد بايعتموني أن تسالموا مَن سالمتُ، وتحاربوا مَن حاربت، وإني قد بايعتُ معاوية فاسمعوا له وأطيعوا، قال: ثم نزل فدخل القصر" (الطبقات لابن سعد) .
وهنا حدث اضطراب في مقدمة جيش العراق وهم شرطة الخميس، فقد أخرج الحاكم عن أبي الغريف، قال: "كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفًا، تقطر أسيافنا مِن الحدة على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطة، فلما أتانا صلح الحسن بن علي ومعاوية كأنما كسرت ظهورنا مِن الحرد -الغضب- والغيظ، فلما قدِم الحسن بن علي الكوفة، قام إليه رجل منا يُكنى أبا عامر سفيان بن الليل. فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن: لا تقل ذلك يا أبا عامر، لم أذل المؤمنين، ولكني كرهتُ أن أقتلهم في طلب المُلك. فبعث الحسن بالبيعة إلى معاوية، فكتب بذلك الحسن إلى قيس بن سعد، فقام قيس بن سعد في أصحابه، فقال: يا أيها الناس، أتاكم أمران، لابد لكم مِن أحدهما: دخول في الفتنة، أو قتل مع غير إمام، فقال الناس: ما هذا؟ فقال: الحسن بن علي قد أعطى البيعة معاوية، فرجع الناس، فبايعوا معاوية".
وقد أشار ابن كثير -رحمه الله- إلى ذلك بقوله: "وبعثَ الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع؛ فأبى قيس بن سعد قبول ذلك، وخرج مِن طاعتهما جميعًا، واعتزل بمَن أطاعه، ثم راجع الأمر، فبايع معاوية" (البداية والنهاية) .
وتباينت ردود الأفعال بالنسبة لأمراء علي بن طالب -رضي الله عنه- وموقفهم مِن الصلح ما بيْن القبول والاستحسان، أو الرفض ثم القبول، وهناك فريق ثالث دخل في الصلح وهو كاره له، ثم ترك الحسن -رضي الله عنه- المدائن وسار إلى الكوفة، وسار معاوية -رضي الله عنه- مِن مسكن إلى النخيلة -موضع قرب الكوفة على سمت الشام-، ثم خرج الحسن -رضي الله عنه- مِن الكوفة إلى النخيلة ليقابل معاوية -رضي الله عنه- ويسلِّم الأمر له، فعن الشعبي، قال: شهدتُ الحسن بن علي -رضي الله عنهما- بالنخيلة حين صالحه معاوية -رضي الله عنه-، فقال معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم، وأخبر الناس أنك قد سلمتَ هذا الأمر لي، فقام فخطب على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه.
قال الشعبي: وأنا أسمع، ثم قال: أما بعد فإن أكيس -أعقل، والكيس العقل- الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفتُ فيه أنا ومعاوية إما كان حقـًّا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة، وحقن دمائهِم، أو يكون حقًّا كان لامرئ كان أحق به مني ففعلتُ ذلك ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (الأنبياء:111) " (انظر الطبقات لابن سعد، والمستدرك للحاكم، وحلية الأولياء) .
وفي رواية: "قال الحسن بن علي يوم كلم معاوية: ما بيْن جابلص وجابلق -مدينتان: إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب- رجل جده نبي غيري، وإني رأيتُ أن أصلح بيْن أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وكنتُ أحقهم بذاك، ألا إنا قد بايعنا معاوية، ولا أدري ( لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )".
وبتنازل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- عن الخلافة ومبايعته لمعاوية -رضي الله عنه- تنتهي بذلك فترة خلافة النبوة، وهي ثلاثون سنة، والحجة في ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وقد علـَّق ابن كثير -رحمه الله- على هذا الحديث، فقال: "وإنما كملتِ الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل على الخلافة لمعاوية في ربيع الأول مِن سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة مِن موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة مِن الهجرة، وهذا مِن أكبر دلائل النبوة". (البداية والنهاية) .
وبذلك يكون الحسن بن علي -رضي الله عنهما- خامس الخلفاء الراشدين.
وبهذا حقن الحسن دماءَ المسلمين، وقد قال الحسن -رضي الله عنه-: "خشيتُ أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفًا، أو أكثر أو أقل، كلهم تنضح أوداجهم دمًا، كلهم يستعدي الله فيمَ هُريق دمه" (البداية والنهاية) .