شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (12) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد

لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد

ذكرنا في المقال السابق جملة مِن أحكام الأمان للكافر الحربي إذا دخل بلاد الإسلام،

وذكرنا كذلك جملة مِن أحكام المسلم إذا دخل دار الحرب بأمانٍ منه لهم، وأنه لا

يجوز أن يخونهم -لأنهم إنما أعطوه الأمان بشرط عدم خيانتهم وأَمْنِه إياهم مِن

نفسه-، وأن كل عقود المعاوضات لازمة له، وكذا المضاربة -ومثلها الشركة-، وكذا

الوديعة، والقرض، والبيع في الذمة.

ومِن

هنا تعلم حرمة عمليات النصب والخداع التي يقوم بها البعض في أموال الكفار بزعم أن

أموالهم حلال؛ فإن ما أُخِذَ مِن خلال العقود والعهود وَجَبَ الوفاء به؛ لقوله -تعالى-:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )

(المائدة:1) ؛

ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُونَ عَلَى

شُرُوطِهِمْ ) (رواه

أبو داود، وصححه الألباني) .

ونستكمل اليوم جملة أخرى مِن

هذه الأحكام:

عقد الأمان للكافرة الحربية

بزواجها مِن مسلمٍ أو ذِمّي:

قال صاحب الشرح الكبير، شمس الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي: "وإذا

دخلت الحَربِيَّة إلينا بأمان فتزوجت ذِمِّيًّا في دارنا ثم أرادت الرجوع لم

تُمْنَع إذا رضي زوجُها أو فارَقَها. وقال أبو حنيفة: تُمْنَع. ولنا: أنه عقد لا

يلزم الرجل به المقام، فلا يلزم المرأة، كعقد الإجارة" (انتهى) .

وهذا

يدل على إعطاء الكافرة حق الإقامة في دار الإسلام بزواجها مِن ذمي، وبالأولى إذا

تزوجت مسلمًا، ويستمر لها حكم الأمان بذلك، ولا يتقيد بسَنَةٍ أو أربعةِ أشهر.

حكم الأسير المُسْلِم إذا

أُطلِق على شرط الإقامة في دار الكفر:

قال موفق الدين ابن قدامة في المُقْنِع: "وإن

أَسَر الكفار مُسْلِمًا فأطلَقوه بشرط أن يُقِيمَ عندهم مُدَّةً لَزِمَه الوفاء

لهم، وإن لم يشترطوا شيئًا أو شرطوا كونه رقيقًا؛ فله أن يقتل ويسرق ويهرب، وإن

أطلَقوه بشرط أن يبعث إليهم مالًا وإن عجز عليه عاد إليهم لَزِمَه الوفاء لهم؛ إلا

أن تكون امرأةً فلا ترجع إليهم. وقال الخرقي: لا يرجع الرجل أيضًا" (انتهى) .

قال صاحب الشرح الكبير: "وإذا أَسَر الكفار

مُسْلِمًا فأطلَقوه بشرط أن يُقِيمَ عندهم مُدَّةً لَزِمَه الوفاء لهم، ولم يكن له

أن يهرب. نَصَّ عليه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمنون عند

شروطهم"، وقال الشافعي: لا يلزمه.

وان

أطلَقوه وأَمَّنُوه صاروا في أمانٍ منه؛ لأن أمانهم له يقتضي سَلامَتَهم منه، فإن

أَمْكَنَه المُضِيُّ إلى دار الإسلام لَزِمَه، وإن تَعَذَّرَ عليه أَقَام، وكان

حُكْمُه حُكْم مَن أَسْلَمَ في دار الحرب، فإن خَرَج فأَدْرَكُوه وتَبِعوه

قَاتَلَهم، وبطل الأمان؛ لأنهم طلبوا منه المقام وهو معصية" (انتهى) .

قال المرداوي في الإنصاف: "قال

الشيخ تقي الدين: ما ينبغي أن يدخل معهم في التزام الإقامة أبدًا؛ لأن الهجرة

واجبة عليه؛ ففيه التزامٌ بترك الواجب، اللهم إلا أن لا يمنعوه مِن دينه، ففيه

التزامٌ بترك المستحب. وفيه نظر" (انتهى) .

ومِن

هذا الكلام النفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، نعرف حكم الإقامة في دار

الكفر إذا كان يمكن للمرء أن يحافِظ على دينه -والمعنى أن يحافظ على أصل الإسلام،

وأن يحافظ على الواجبات وترك المحرمات-؛ فإذا كان قادرًا على إقامة الدين لم يجب

عليه الهجرة، وكانت مستحبة.

وهذا

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وبذلك تعرف حكم الإقامة في هذه البلاد

التي كَثُرَ المسلمون فيها جدًّا، واستقرت أحوال الكثيرين منهم فيها؛ فالأمر

مَبْنِيّ على القدرة على إقامة الدين. والله أعلم.

حكم إطلاق الأسير المُسْلِم

دون شرطٍ، أو بشرط الاسترقاق:

قال شمس الدين في الشرح الكبير: "فإن

لم يشترطوا شيئًا أو شَرَطوا كونَه رقيقًا؛ فله أن يَقْتُل ويَسْرِق ويَهْرب، أما

إذا أَطلَقوه ولم يُؤَمِّنُوه فله أن يأخذ منهم ما قَدَر عليه ويَسْرِق ويَهْرب؛

لأنه لم يُؤَمِّنْهُم ولم يُؤَمِّنُوه.

وكذلك

إن شرطوا كونه رقيقًا فرَضِيَ بذلك أو لم يَرْضَ؛ لأن كونَه رقيقًا حكمٌ شرعيٌ لا

يثبت عليه بقوله، ولو ثبت لم يَقْتَضِ أمانًا له منهم، ولا لهم منه. وهذا مذهب

الشافعي. وإن أَحْلَفُوه على ذلك وكان مُكْرَهًا لم تنعقد يمينه، وإن كان

مُخْتارًا انعقدت يمينه، ويحتمل أن تلزمه الإقامة إذا قلنا يلزمه الرجوع إليهم.

وهو قول الليث".

حكم إطلاق الأسير المُسْلِم

على شرط المال:

قال في الشرح الكبير: "مسألة: وإن أَطلَقوه بشرط

أن يَبْعَثَ إليهم مالًا، وإن عجز عنه عاد إليهم؛ لَزِمَه الوفاء لهم، إلا أن تكون

امرأة فلا ترجع إليهم. وقال الخرقي: لا يرجع الرجل أيضًا.

وجملة ذلك: أن الأسير إذا أَطلَقَه الكفار وشرطوا

عليه أن يبعث إليهم بفِدَائِه أو يعود إليهم وأَحْلَفوه؛ فإن كان مُكْرَهًا لم

يَلْزَمْه الوفاء لهم برجوع ولا فداء؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ،

وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ،

وإن لم يُكْرَه وقَدَرَ على الفِداء الذي شَرَط على نفسه لَزِمَه أداؤه. وبه قال

الحسن وعطاء والزهري والنخعي والثوري والأوزاعي.

ونَصَّ

الشافعي على أنه لا يلزمه لأنه حُرٌ لا يَستَحِقُّون بَدَله. ولنا: قول الله

-تعالى-: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ )

(النحل:91) ،

ولما صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الحديبية على رد مَن جاءه مُسْلِمًا

وَفَّى لهم، وقال: "إنا لا يصلح في ديننا الغدر"، ولأن في الوفاء مصلحة

للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم؛ لأنهم لا يأمنون بعده، والحاجة داعية إليه؛

فلَزِمَه الوفاء كما يَلْزَمُه الوفاء بعقد الهدنة؛ ولأنه عاهدهم على أداءِ مالٍ

فلَزِمَه الوفاء لهم، كثمن المبيع، والمشروط في عقد الهدنة في موضعٍ يجوز شَرْطُه.

فإن

عجز عن الفداء وكانت امرأة لم ترجع إليهم، ولم يَحِلّ لها ذلك، لقول الله -تعالى-:

( فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) (الممتحنة:10) ،

الصفحة التالية