شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (12) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ولأن في رجوعها تسليطٌ لهم على وطئها حَرَامًا، وقد منع اللهُ رسولَه رَدَّ النساء

إلى الكفار بعد صُلْحِه على رَدِّهِنَّ في قضية الحديبية، وفيها: "ثُمَّ

جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ -الْآيَةَ- فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ

يَرُدُّوهُنَّ" (رواه

أبو داود، وصححه الألباني) " (انتهى) .

(وإن كان الصحيح في هذه المسألة أن النساء لم يدخلن في العهد في الحديبية).

قال في الشرح الكبير: "وإن كان المُفَادَى

رَجُلًا فقيه روايتان: إحداهما: لا يرجع. اختاره الخرقي، وهو قول الحسن والنخعي

والثوري والشافعي، لأن الرجوع إليهم معصية، فلم يلزم بالشرط، كما لو كان امرأة،

وكما لو شرط قَتْلَ مُسْلِمٍ أو شرب الخمر. والثانية: يلزمه. وهو قول عثمان

والزهري والأوزاعي، لما ذكرنا في بعث الفداء، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم-

عاهد قُريشًا على رد من جاءه مُسْلِمًا فَرَدَّ أبا بصير وأبا جندل، وقال:

"إنا لا يصلح في ديننا الغدر".

وفارَقَ

رَدَّ المرأة؛ فإن الله -تعالى- فَرَّقَ بينهما في هذا الحكم حين صالح النبي -صلى

الله عليه وسلم- قريشًا على رد مَن جاءه منهم مُسْلِمًا، فأمضى الله -سبحانه- ذلك

في الرجال ونَسَخَه في النساء" (انتهى) . (ذكرنا أن

الراجح أن النساء لم يدخلن في هذا العقد).

حكم ما اشتراه الأسير

المُسْلِم:

قال في الشرح الكبير: "فصل: فإن اشترى الأسير

شيئًا -مُخْتَارًا- أو اقترضه؛ فالعقد صحيح، ويلزمه الوفاء لهم، لأنه عَقْدُ

مُعَاوَضَة، فأشبه ما لو فعله غيرُ الأسير. وإن كان مُكْرَهًا لم يصح، وإن

أَكرَهوه على قَبْضِهِ لم يَضْمَنْه، ولكن عليه رَدّه إليهم إن كان باقيًا، لأنهم

دفعوه إليه بحكم العقد، وإن قبضه باختياره ضَمِنَه، لأنه قَبَضَه باختياره عن عقدٍ

فاسِدٍ، وإن باعَهُ والعينُ قائمةٌ لَزِمَه رَدُّها، وإن عُدِمت رَدَّ قيمتَها".

وقال: "فصل: وإذا اشترى المسلم أسيرًا مِن أيدي

العدو -أي أسيرًا مُسْلِمًا أو ذِمِّيًا- فإن كان بإذنه لَزِمَه أن يؤدي إلى الذي

اشتراه ما أداه فيه بغير خلاف نعلمه؛ لأنه إذا أَذِنَ فيه كان نائبه في شراءِ

نَفْسِه، فكان الثمن على الآمر كالوكيل، وإن كان بغير إذنه لَزِمَ الأسيرُ الثمن

أيضًا، وبه قال الحسن، والزهري، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وقال الثوري والشافعي

وابن المنذر: لا يلزمه؛ لأنه تبرع بما لا يلزمه ولم يؤذن له فيه، أشبه ما لو عَمَّرَ

دارَه.

ولنا:

ما روى سعيد بن عثمان بن مطر، قال: حدثنا أبو حريز عن الشعبي، قال: أغار أهلُ ماه

وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا مِن سبايا العرب، فكتب السائب بن الأكوع إلى

عُمَر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم، فكَتَبَ عُمَر: "أيما رجل أصاب

رقيقَهُ ومَتَاعَه بعينِه فهو أَحَقُّ به مِن غيره، وإن أصابه في أيدي التُجَّارِ

بعد ما قُسِمَ فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التُجَّارُ فإنه يرد إليهم رؤوس

أموالِهم، فإن الحر لا يباع ولا يشترى"، فحَكَم للتُجَّارِ برؤوس أموالهم؛ ولأن

الأسير يجب عليه فِدَاء نفسه ليتَخَلَّص مِن حكم الكفار، فإذا ناب عنه غيره في ذلك

وجب عليه قضاؤه، كما لو قضى الحاكم عنه حقـًّا امتنع مِن أدائه.

فعلى

هذا إذا اختلفا في قدر الثمن، فالقول قول الأسير، وهو قول الشافعي، إذا أذن له،

وقال الأوزاعي: القولُ قولُ المُشتَرِي؛ لأنهما اختلفا في فعله وهو أعلم به. ولنا:

أن الأسير مُنْكِرٌ للزيادة، والقول قول المُنْكِر، ولأن الأصل براءة ذمته مِن

الزيادة فيرجح قوله بالأصل" (انتهى) .

وجوب فِدَاء أسرى

المُسْلِمين وأهلِ الذِمَّة:

قال في الشرح الكبير: "فصل: ويجب فداء أسير

المسلمين إذا أمكن، وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق. ويروى عن ابن الزبير

أنه سأل الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: على مَن فكاك الأسير؟ قال: "على

الأرض التي يُقاتِل عليها"، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا

العَانِيَ ) (أخرجه

البخاري) ، وروى سعيد بإسناده عن حبان بن أبي جبلة أن رسول

الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن على المسلمين في فيئهم أن يُفَادُوا

أسيرَهم ويُؤَدُّوا عن غارِمِهم"، و"فادى رسول الله -صلى الله عليه

وسلم- رجلين مِن المسلمين بالرجل الذي أَخَذَه مِن بني عُقَيل، وفادى بالمرأة التي

استَوهَبَها مِن سلمة بن الأكوع رجلين"، ويجب فداء أسير أهل الذِمَّة سواء

كانوا في معونتنا أو لا، هذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث؛

لأننا التزمنا حِفْظَهم بمُعاهَدَتِهم وأَخْذِ جِزْيَتِهم؛ فلَزِمَنا المُدافعة مِن

ورائهم والقيام دونهم.

فإذا

عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لَزِمَنا ذلك، كمن يحرم عليه إتلاف شيء، فإذا

أَتْلَفَه ضَمِن غُرْمَه.

وقال

القاضي: إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الإمام في قتالِهِم فَسُبُوا؛ وَجَب عليه

ذلك؛ لأن أَسْرَهُم كان لمعنى مِن جهته، وهو المنصوص عن أحمد، ومتى وَجَب فِداؤهم

فإنه يبدأ بفِدَاءِ المسلمين قبلَهم؛ لأن حرمة المسلم أعظم، والخوف عليه أشد، وهو

مُعَرَّضٌ لفِتْنَتِه عن دينه الحق، بخلاف أهل الذمة" (انتهى) .

ومِن

كلام القاضي تعرف أن الخلاف في مسألة استعانة الإمام بأهل الذِمَّةِ في القتال

خلاف في مسألةٍ فيها اجتهادٌ سائغٌ، كما سبق بيانه في مواضع أخرى، والله أعلى

وأعلم.

وللحديث

بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة