صفحات مِن ذاكرة التاريخ (29) معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
محمد بن الحنفية: لما بلغ محمد بن الحنفية عزم أخيه الحسين على الخروج إلى الكوفة قدِم عليه، وقال: يا أخي أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولستُ أدخر النصيحة لأحدٍ مِن الخلق أحق بها منك، تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لكَ حمدنا الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ويذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا مِن هذه الأمصار وتأتي جماعة مِن الناس فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك؛ فيقتتلون فتكون لأول الأسنة غرضًا، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا، وأبًا وأمًا، أضيعها دمًا، وأذلها أهلًا، فقال الحسين: فإني ذاهب يا أخي، قال: فانزل مكة فإذا أطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجتَ مِن بلدٍ إلى بلدٍ حتى تنتظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي فإنك أصوب ما تكون رأيًا، وأحزمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا، قال: يا أخي قد نصحت فأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدًا" (تاريخ الرسل والملوك للطبري 5/ 341) .
ومِن الصحابة الذين عارضوا خروج الحسين -رضي الله عنه-:
عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: ولما بلغ خبر عزمه على الخروج إلى ابن عمه عبد الله بن عباس، أتاه وقال: "يا ابن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟ قال: قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين -إن شاء الله تعالى-. فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان عدوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني استخير الله وأنظر ما يكون. ولكن ابن عباس أدرك مِن كلام الحسين واستعداده أنه عازم على الخروج، ولكنه يحاول إخفاء الأمر عنه لعلمه بعدم رضاه عن ذلك؛ لذا جاء ابن عباس إلى الحسين مِن الغد، فقال: يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر، وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر؛ فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونًا وشعابًا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس بمعزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين: يا ابن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولا بد سائرًا؛ فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه" (تاريخ دمشق لابن عساكر) .
عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-: وقد اتهمته بعض الروايات الضعيفة أنه أحد المتسببين في إقناع الحسين بالخروج إلى الكوفة، وهو نفسه ثبت عنه بأنه قد أسدى النصائح للحسين، وحذره مِن مغبة مغادرة مكة والذهاب إلى الكوفة، وقد نصح الحسين قائلاً: "أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك؟! فقال له الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا، أحب إلي مِن أن تستحل بي -يعني مكة-" (المصنف لابن أبي شيبة 15/ 95) .
عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: فقد نصح الحسين -رضي الله عنه- في أكثر مِن موقف، فحين بلغه خروج ابن الزبير والحسين إلى مكة رافضين بيعة يزيد لقيهما، وقال: "أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان" (الطبقات لابن سعد) .
ولما قدِم المدينة، وبلغه خروج الحسين لأهل الكوفة لحقه ابن عمر على مسيرة ليلتين، فقال: "أين تريد؟ قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم. قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال: إن الله خيَّر نبيه بيْن الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه، لا يليها أحد منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فارجعوا فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك الله مِن قتيل" (سير أعلام النبلاء 3/ 292) .
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول بعد ذلك: "غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى مِن الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير" (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 7/ 138) .
وقد نظر بعض الصحابة إلى العمل الذي سيُقدِم عليه الحسين -رضي الله عنه- بأنه في حقيقته خروج على الإمام صاحب البيعة، كما نظروا إلى خروج الحسين وما يحمله خروجه على أنه نذير شر وبلاء على الأمة مهما كانت النتائج لأيٍ مِن الطرفين.
ومِن هؤلاء:
- أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- حيث قال: "غلبني الحسين على الخروج، وقد قلتُ له: اتقِ الله في نفسك والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك" (البداية والنهاية لابن كثير) .
- وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "كلمتُ حسينًا، فقلتُ له: اتقِ الله، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني" (الطبقات لابن سعد) .
ولم تتوقف المحاولات الهادفة بيْن الحسين -رضي الله عنه- وبيْن خروجه إلى الكوفة؛ فكتب إليه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما-: "أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإني مشفق عليك مِن الوجه التي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك" (تاريخ الأمم والملوك للطبري) .
ولكن الحسين -رضي الله عنه- رفض الرجوع، وقد حاول كثيرٌ مِن أهل الرأي والحكمة منع الحسين -رضي الله عنه-، وكتب إليه المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- وأبو واقد الليثي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن مطيع، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن سعيد بن العاص، وابن عياش، ويزيد بن الأصم، والأحنف بن قيس، وعمرة بنت عبد الرحمن، وغيرهم.