شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (29) معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

ومِن الملاحظ: إجماع كل مَن نصح الحسين -رضي الله عنه- على ألا يخرج للعراق، ولا يثق في أهل الكوفة، وإجماع الناصحين للحسين على خيانة أهل الكوفة ووجوب عدم الثقة بوعودهم، وكذلك يلفت الانتباه: إجماعهم في توقعهم لمقتل الحسين كما يبدو ذلك مِن أسفهم عليه، وكلمات التوديع له؛ وما ذلك إلا دليل على معرفة أولئك الناصحين مِن العلماء بالأوضاع، ووعيهم لما سبق مِن أحداثٍ جَرَت إبان الفتنة بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما- عرفوا مِن خلالها الدوافع والأهواء التي تدفع ببعض الأقوام للاستفادة مِن إثارة الإحن ودوام الفتن. (الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار ص 465) .

وكل هذه النصائح لم تؤثِّر على الحسين -رضي الله عنه- في قراره بالخروج إلى الكوفة، فعقد العزم على الخروج، وأخذ يجهز نفسه وأهل بيته للخروج، وبالفعل خرج في يوم التروية "الثامن مِن ذي الحجة" سنة 60 هـ - 680م، وخرج معه أهل بيته، وقيل خرج معه ستون شيخ مِن أهل الكوفة،.

وهنا تكررت بعض المحاولات مِن كثيرٍ مِن الناصحين أثناء سير الحسين -رضي الله عنه- إلى الكوفة، ولكنها دون جدوى؛ فالحسين رغم كل ما سمعه مِن المقربين المخلصين لا يتراجع عن قراره؛ فهذا قدر الله وهذا حكمته، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

ولعل مِن الأسباب التي جعلت الحسين -رضي الله عنه- لا يتراجع عن رأيه: هو الواقع الذي يراه الحسين -رضي الله عنه-، فيزيد لن يترك الحسين هكذا دون بيعة، وربما توقع الحسين أن يزيد سيحمله على البيعة في أقرب وقت ممكن، ولن يرضى أن تكون له حرية التصرف دون بيعة، ولعل الحسين -رضي الله عنه- شعر بالحرج مِن وجوده في مكةٍ دون بيعة الخليفة، دون أن يكون له ما يبرر موقفه بشكلٍ واضح.

أضف إلى ذلك: الخوف مِن تأصيل القيصرية والهرقلية والتوريث في الأمة، وهذا يعد مِن أنواع الفساد بلا شك، وكان موقف الحسين مِن بيعة يزيد بن معاوية هو موقف المعارض منذ البداية.

والسبب في ذلك: الحرص على مبدأ الشورى، وأن يتولى الأمة أصلحها، ثم الصورة المشجعة التي نقلها له ابن عمه مسلم ابن عقيل لحالة الكوفة، وأن أهلها جميعًا ينتظرون الحسين، والنصر يتوقف على حضور الحسين فقط، فربما كانت هذه بعض الأسباب التي جعلت الحسين -رضي الله عنه- اتخذ قراره بلا رجعة. والله أعلى وأعلم. (مواقف المعارضة في خلافة يزيد، للشيباني، ص 302) .

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن الله -تعالى- بعث رسوله -صلى الله عليه وسلم- بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تولى خليفة مِن الخلفاء: كيزيد، وعبد الملك، والمنصور، وغيرهم؛ فإما أن يُقال: يجب منعه مِن الولاية وقتاله حتى يُولى غيره كما يفعله مَن يرى السيف، فهذا رأى فاسد؛ فإن مفسدة هذا أعظم مِن مصلحته، وقلَّ مَن خرج على إمامٍ ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله مِن الشر أعظم مما تولد مِن الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء، وغاية هؤلاء إما أن يُغلبوا، وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي، وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم؛ فهُزموا وهُزم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا.

والله -تعالى- لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك مِن أولياء الله المتقين، ومِن أهل الجنة؛ فليسوا أفضل مِن علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يُحمد ما فعلوه مِن القتال، وهم أعظم قدْرًا عند الله وأحسن نية مِن غيرهم" (منهاج السُّنة) .

الصفحة السابقة