حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (1) أولاً: بداية الحجة
رمضان النجدي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فدخل العام الثامن مِن الهجرة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيه أتم الله عليه "فتح مكة"، وكان فتحًا مباركًا عظيمًا؛ دخل الناس بعده في دين الله أفواجًا، ومِن ثَمَّ سُمِّي العام الذي يليه -وهو التاسع مِن الهجرة- بعام الوفود؛ لكثرة الوفود التي دخلت الإسلام، وأعلنت الاستسلام لهذا الدين بيْن يدي النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم-؛ فأتم الله على نبيه النعمة، ونزل فرض الحج عليه في هذا العام.
أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر على رأس ثلاثمائة مِن أصحابه عُرفوا بالمؤذنين، وأردفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لينادوا في الناس في موسم الحج للعام التاسع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (رواه البخاري) .
وكان هذا تمهيدًا لأعظم حجة عرفتها البشرية، وهي حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي قصتنا في هذه الحلقات تحت عنوان: "حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها".
ولقد استغرقت هذه الحجة مِن رسول الله ستًا وعشرين يومًا وليلة كاملة مِن 26 مِن شهر ذي القعدة إلى 21 مِن شهر ذي الحجة، ثمانية أيام ذهابًا مِن الأحد 26 إلى الأحد 4 مِن ذي الحجة، وعشرة أيام مكثها في مكة مِن الأحد 4 ذي الحجة إلى الثلاثاء 13مِن ذي الحجة، وثمانية أيام إيابًا إلى المدينة.
ويمكننا أن نقسِّم هذه الحجة إلى ست محطات رئيسية:
الأولى: بداية الحجة.
الثانية: في الطريق إلى مكة.
الثالثة: الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكة.
الرابعة: على صعيد عرفات.
الخامسة: يوم النحر يوم الحج الأكبر.
السادسة: أيام التشريق.
ومحطتنا في هذا المقال، المحطة الأولى: "بداية الحجة":
دخل العام العاشر مِن هجرة المصطفى، وأعلن -صلى الله عليه وسلم- أنه سيحج البيت الحرام هذا العام؛ ليأتم به مَن أراد أن يحج، فقدِم المدينة بشرٌ كثيرٌ، وفي رواية: "فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَأتِيَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا إِلَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ" (رواه مسلم) .
فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة -رضي الله عنها- أن تفتل له قلائد بُدْنه مِن صوف -كان عندها بالمدينة- قبْل أن يحرِم، مِن أجل أن يقلد به الهدي الذي سوف يسوقه للحج هذه السَّنة، وفي يوم الجمعة 24 مِن ذي القعدة خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس، ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله: ( أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا )، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ )، ثُمَّ قَالَ: ( ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ) (رواه مسلم) .
قال النووي -رحمه الله-: "هذا الرجل السائل هو (الأقرع بن حابس)، كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية".
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ ) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ ). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه) .
وقال الرجل أيضًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لاَ تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ العَمَائِمَ، وَلاَ البَرَانِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلاَ الوَرْسُ، وَلاَ تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ ) (متفق عليه) .
قال ابن حجر -رحمه الله-: "لم أقف على اسمه في شيءٍ مِن الطرق".
وظهر أن ذلك كان بالمدينة, ووقع في حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج أنه -صلى الله عليه وسلم- خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يشجعهم على الحج حتى المريض منهم، قالت عائشة -رضي الله عنها-: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: ( أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ ) قَالَتْ: وَاللهِ، مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: ( حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي اللهُمَّ، مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي ) (رواه مسلم) .