حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (1) أولاً: بداية الحجة
رمضان النجدي • من نور الوحيين
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، أَوْ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) .
ورغَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زوجاته جميعهم، وأقاربه وأصحابه -رضي الله عنهم- في الخروج للحج، حيث حج معه زوجاته كلهن -رضي الله عنهن-.
وفى يوم السبت 25 مِن شهر ذي القعدة صلى الظهر بالمدينة أربعًا، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لخمس بقين مِن ذي القعدة، واتفق في تلك السَّنة نقصان شهر ذي القعدة، فانسلخ يوم الأربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس، وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن المدينة، ثم نزل بذي الحليفة، واستعمل -صلى الله عليه وسلم- على المدينة أميرًا عليها أبا دجانة "سماك بن خرشة الساعدي"، ويُقال: سباع بن عرفطة الغفاري، حيث ذهب إلى الحليفة راكبًا -وهي وادي العقيق-، فصلى بها العصر ركعتين؛ فدل على أنه جاء الحليفة نهارًا في وقت العصر، فصلى بها العصر قصرًا، وهي مِن المدينة (13 كيلو متر تقريبًا)، ثم صلى بها المغرب والعشاء ثم بات بها حتى أصبح، وتطيب وطاف على نسائه كلهن، واغتسل وصلى بأصحابه، وأخبرهم أنه جاءه الوحي مِن الليل بما يعتمده في الإحرام ( أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- حين أصبح: ( أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي, فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ, وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ) (رواه البخاري) .
وكذلك كان مِن رِفقه -صلى الله عليه وسلم- بالناس مكثه بذي الحليفة يومًا كاملًا، ليصلي فيه وينتظر مَن يريد اللحاق به!
وتهيأ النبي -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه غاية التهيؤ، حتى لتستشعر مِن تهيؤه عظيم العبادة التي سيدخلها، فيحتفل لها هذا الاحتفال، ويستقبلها هذا الاستقبال، مع الرفق واللين مع أهله وأصحابه.
وقد ساق الهدي، عددها ثلاثة وستون رأسًا مِن الإبل. وقيل: أقل، وقيل: أكثر كما يمر بنا يوم عرفة عندما تتسابق الإبل... وكان ناجية الخزاعي -رضي الله عنه- مسئولاً عن سَوق هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يسق الهدي أحدٌ مِن أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، وركبتْ أمهات المؤمنين كل واحدة هودجها (الهودج: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه, يوضع عن ظهر البعير يركب عليه النساء ليكون أستر لهن).
وبذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- محمد بن أبي بكر تحت الشجرة: فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: ( اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي ) (رواه مسلم) . "وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم".
والإنسان يتعجب والله اليوم مِن مشهدٍ كهذا... امرأة وضعها اليوم أو الغد، ومع ذلك تخرج في هذه الرحلة الشاقة اليوم؛ فما بالك يومها، لكن الإيمان والحب لرسول الله، والرغبة في صحبته في حجه يفعل هذا وأكثر، وأختار أبو بكر الصديق أسم ولده باسم رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.
لقد تهيأ -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه غاية التهيؤ، حتى لتستشعر مِن تهيوئه عظيم العبادة التي سيدخلها؛ أشعر هديه وقلده، واغتسل -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه، ثم لبد رأسه، وقلد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن فشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها، وتطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن كفي عائشة -رضي الله عنها- بأطيب الطيب عندها، وتضمخ بالطيب فكان- صلى الله عليه وسلم- وهو الطيب المطيب ينفح طيبًا، ويرى وبيص الطيب في مفارقة ولحيته، وقد غسل رأسه بخطمي وأشنان ولبّده حتى يلمه ولا يتطاير أثناء السفر.
ثم لبس -صلى الله عليه وسلم- إحرامه -إزاره ورداءه-، وصلى الظهر ثم استقل راحلته على غايةٍ مِن الخشوع والخضوع، والتعظيم لرب العالمين، متواضعًا لله، معظمًا لشعائره.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ ). قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. (رواه مسلم) .
وقد تغير هذا الأمر كما سيأتي -إن شاء الله-، ثم ركب القصواء وانطلق -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، وتلك محطتنا وحلقتنا الثانية: "في الطريق إلى مكة"، في مقالةٍ مقبلةٍ بإذن الله -إن قدَّر الله لنا اللقاء والبقاء-.
فاللهم ارزقنا حج بيتك الحرام.