تحريف أحكام "الميراث" في "تونس" وسقوط "الأقنعة!"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وهي مساومة "رخيصة" مكشوفة للشعب التونسي؛ أن يضحي بكرامة نسائه مِن أجل المساعدات الدولية!
وقديمًا قال العرب: "تموت الحرة ولا تأكل بثدييها!".
والآن نحتاج أن نقول: "تموت المرأة المسلمة ولا تشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا!".
لقد حاول "الباجي السبسي" في أجزاءٍ مِن خطابه أن يبدو متأثرًا بمشاهد قديمة، شاهدها في القيود التي كانت تُفرض على خروج النساء وخلافه، مما يوهِم أن الباعث الحقيقي لكل مقترحاته هي تلك الشفقة المزعومة، ولكنه سرعان ما يَنسى هذا الأمر، ويدندن حول الرصيد العالمي لتونس نتيجة ما قدَّمته مِن قرابين سابقة في هذا المجال، وكأنه يقول لا بد مِن هذا القربان الجديد لتحصلوا على دعمٍ عالميٍ جديدٍ!
كم هي مسكينة تلك المرأة التي تقع تحت سلطانهم فكريًّا أو قانونيًّا؛ يتاجرون بها في القليل والكثير، يضعون صورتها على السلع لترويجها، ويمنعون حريتها في أن تتزوج ممَن ترضاه إذا كان متزوجًا بأخرى حتى لو كانت الزوجتان راضيتين؛ لتتسول رضا الغرب، وها هم الآن يخطون خطوة أخرى نحو مزيدٍ مِن المتاجرة بالمرأة تحت زعم الدفاع عنها!
واللافت للنظر: أن هناك مشكلة كبيرة في معظم البلاد الإسلامية، وهي عدم تمكن كثيرٍ مِن النساء مِن الحصول على حقهن الشرعي في الميراث، والحكومات بصفةٍ عامة "والحكومة التونسية بصفة خاصة" إزاء هذه القضية أمام أحد احتمالين:
الأول: أن تكون متراخية في حل هذه المشكلة، ومِن ثَمَّ تسقط دعواها بالاهتمام الحقيقي بحقوق المرأة!
الثاني: أن تكون عاجزة عن حل هذه المشكلة، ومِن ثَمَّ يكون مِن العبث محاولة تغيير القوانين لتعطيها فوق حقها الشرعي، بينما هي عاجزة عن إعطائها الحق الذي يتضافر عليه الشرع والقانون.
لقد حاول بعض الكُتَّاب أن يقول: "إن موقفَ الرجال الرافضين لتغيير أحكام الميراث لمخالفتها للشريعة، في ذات الوقت الذي لا يعطون أخواتهم نصيبهن مِن الميراث الشرعي - موقف متناقض، ويعبِّر على أن رفضهم ليس نابعًا مِن تعظيمهم للشريعة"، ولا شك أن هذا الصنف مِن الناس مذموم، بل له نصيب مِن قوله -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) ، وأن الكفر في حالة سنِّ القوانين المصادمة للشريعة كفر أكبر، بينما الكفر في حالة التهرب مِن تطبيق أحكام الشريعة لهوى في النفس شرك أصغر؛ إلا أنه متفقٌ على ذمِّ أصحابه.
ولكن هل إذا وُجد هؤلاء المتنصلون مِن أن يطبِّقوا أحكام الشريعة على أنفسهم؛ نلزم نحن الناس جميعًا "طائعهم وعاصيهم" بمخالفة شرع الله -عز وجل-؟!
ثم لماذا يفترض هؤلاء أن المعترضين هم نفس هؤلاء الرجال الذين يأكلون ميراث شقيقاتهم؟!
ومِن المعترضين هيئات إسلامية محترمة على رأسها "الأزهر الشريف".
ومِن المعترضين نساء يرفضن أن يأكلن حرامًا.
ومنهن مَن نادت "الرئيس التونسي" أن ينشغل أكثر بالتوزيع العادل للثروة في بلاده؛ بدلًا مِن انتشار الفساد الذي لا يُبقي لعموم التونسيين "رجالًا ونساءً" شيئًا يتوارثونه!
ومِن هذا يتبيِّن: أن هذه القضية شاهد آخر على أن معظم مَن يرفع شعارات حرية المرأة، يخاطِب بها جهات أخرى غير المرأة المسلمة، ويحل مشكلات أخرى غير التي تعاني منها المرأة المسلمة، وبالطبع يستورد مشكلات أخرى لا تعاني منها المرأة المسلمة!
الثالث: العالمانية واحترام الدِّين:
هل يمكن أن تتعايش العالمانية والدِّين؟
في الواقع: إن هذا السؤال لا يمكنك أن تحصل على إجابةٍ صحيحةٍ عليه؛ إلا إذا عرفت العالمانية، وعرفت الدين، فإذا كان للعالمانية عدة تعريفات أو -على الأقل- هناك عدة مدارس في موقف العالمانية مِن الدين، وإذا كانت الأديان متعددة، وبالتالي سوف تختلف الإجابة باختلاف نمط العالمانية الذي تتكلم عنه، وباختلاف الدين الذي تتكلم عنه.
وبفرض أنك استبعدت العالمانية المعادية للدين؛ فسيبقى عندك أنماط مِن العالمانية، فهناك عالمانية محايدة تجاه الدين، وأخرى يُقال عنها إنها تحترم الدين "ورغم أن بعض هذه الأنواع أهون شرًّا مِن بعض؛ إلا أن هذه الأنواع كلها مصادمة لدين الإسلام"، لكن هل يمكن التعايش بيْن تلك العالمانية -لا سيما تلك التي تزعم احترام الدين- وبيْن الدِّين؟
نحن هنا حددنا نمطًا معينًا مِن أنماط العالمانية، وهو أهونها شرًّا فيما يتعلق بنظرته للدين، ولكن لا يمكننا الإجابة الصحيحة حتى نحدد عن أي دينٍ نتحدث، فلو كنتَ تتكلم عن الدين النصراني -مثلاً- باعتبار أن النموذج المقدَّم لنا بخصوص هذا التعايش هو بيْن العالمانية وبين النصرانية؛ فستجد الإجابة: أن النصرانية قد لا تتعارض حال التوسع في تفسير النص الموجود في الأناجيل منسوبًا لعيسى -عليه السلام-: "أعطِ ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" أنه يأمر المسيحي أن يطبِّق قوانين أي بلدٍ يعيش فيه، لا سيما وأن هذا النص مِن المفترض أنه قيل في حق قيصر الروم حال كونه وثنيًّا، وفي ظل وجود شريعة موسى -عليه السلام-، ومخالفة القوانين الرومانية لها في كثير مِن الأمور، وهذا الفهم الذي يوفـِّق بيْن النصرانية والعالمانية هو التفسير الأكثر شيوعًا الآن في الغرب.
وهنا يأتي السؤال الآخر: هل يمكن أن يوجد مثل هذا التعايش بيْن هذا النوع مِن العالمانية وبيْن الإسلام؟!
وأيضًا: الإجابة لا يمكن أن نحصل عليها؛ إلا إذا رجعنا إلى الدين الإسلامي نفسه، وسوف نجد هنا أن الأمر في غاية الاختلاف، فالقرآن يقول: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) ، ويقول: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الجاثية:18) .