شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحريف أحكام "الميراث" في "تونس" وسقوط "الأقنعة!"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ونجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه يقول: ( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّار ) (متفق عليه) .

وسنجد أن أطول آية في كتاب الله -تعالى- هي آية الدين.

وسنجد أن أحكامًا كأحكام الميراث جاءتْ مفصلة في المصدر الأول للتشريع "وهو القرآن"، مع أن المعتاد في معظم المعاملات فضلًا عن العبادات أن يأتي تفصيلها في السُّنة، إذن مَن يقول عن نفسه إنه "مسلم عالماني"؛ إما أنه لا يَفهم الإسلام، أو لا يَفهم العالمانية، أو لا يفهم أيًّا منهما، أو هو عالماني ميكافللي يفهم جيدًا، ولكن يناور ويخادع!

وعند تحليل خطاب "الرئيس التونسي" ستجد أنه يقرر كلامًا مصادمًا تمامًا للقرآن، ثم يقول: "وأما قضية المواريث، فقد ترك الله -تعالى- ورسوله الأكرم، الأمر في المواريث للبشر!".

كان الرئيس التونسي بارعًا في ترديد أنه يحترم الدين، وأنه لا يريد أن يخالف الدين، وأن الدستور التونسي ينص على أن دين الدولة الإسلام، وعندما جاء إلى التصريح الفج بالدعوة إلى مخالفة النص القرآني الصريح؛ ادعى أن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قد تركا الأمر للناس، مع أن آيات المواريث في غاية الوضوح!

فهذا هو غاية ما ستحصل عليه مِن احترام العالمانيين للدين؛ فهو لا يعدو أن يكون عبارات معسولة، ليس لها أي رصيدٍ مِن الواقع!

الرابع: العالمانية واحترام المؤسسات الدينية:

عندما تحاور عالمانيًّا، فهو يواجهك بترسانة أسلحة، آخرها هو الحجة والبرهان! ولعل مِن أشهرها عند "عالماني مصر" أن يرفض ردك عليه في أي عبث يطرحه مِن باب أنك لستَ أزهريًّا، ولستَ متخصصًا!

فإن قلتَ لهم: وأنتم لستم متخصصين، وكثير منكم لا يكاد يحسِن قراءة الفاتحة قراءة صحيحة؛ فلماذا تخوضون في الفقه، والتفسير، والحديث، وجميع مسائل الدين؛ فإما ستكون الإجابة أنه مثقف، وبالتالي معه حصانة أن يخوض في كل شيء لا سيما الدين، وربما أراد بعضهم أن يوهم جمهوره أن كلامه هو كلام "الأزهر"؛ فيأتي ببعض مَن انحرف عن منهج الأزهر "لا سيما في التعلم مِن فقه الأئمة الأربعة، وغيرهم مِن فقهاء الإسلام" إلى التعلم مِن فقه "مؤسسة راند؛" لكي يؤيد عالمانيتهم، ويقول هذا هو رأي الأزهر!

وأما عندما تخرج المواقف المدافعة عن الشريعة مِن "شيخ الأزهر" أو حتى مِن "هيئة كبار العلماء" رغم وضعها الدستوري "الذي يزعمون احترامه"؛ تجد الرفض، بل والطعن!

ولم نكن نتصور أن يصل الأمر إلى أن يخرج "إعلاميون مصريون" يزعمون حبهم لمصر، وأنهم يفاخرون بمؤسساتها، ويطالبون لها بالريادة العالمية؛ ليقولوا للأزهر: "اصمت، لا تتكلم ولا ترد؛ فتصريحات الرئيس التونسي شأن تونسي محض، لا شأن لكم به!".

وفي ذات الوقت الذي يقولون فيه للأزهر "اعترض في سرك"؛ لأن الشأن تونسي محض، نجدهم يؤيدون علنًا، ويقيمون الأفراح والليالي الملاح، بل ويستبشر بعضهم أن الشعب التونسي يقرأ الجرائد الفرنسية! وبالتالي سيفكر في المسألة بفكرٍ منفتحٍ، يعني مقبول عندهم أن فرنسا تحاول التأثير في التونسيين، ومقبول عندهم أن يتحدث "عالمانيو مصر" في الشأن التونسي، بل ويحاولون التأثير عليهم، لكن الأزهر وكل مَن يحاول أن يدافع عن الشريعة هم فقط مَن يطالَبون بالصمت!

تُرى: هل يمكن بعد سقوط هذه "الأقنعة" أن نثق بهم في أي موقفٍ أو نأمن جانبهم على "الأزهر"؛ لا سيما وأن بعضهم طالب بإغلاقه، وبعضهم طالب بقلب شئونه رأسًا على عقب، ثم جاء البعض الآخر وطالب "بمحليته" بدلًا مِن "عالميته"؟!

الخامس: النهضة (إخوان تونس) يدرس، و"عبد الفتاح مورو" القيادي بها لا يمانِع مِن زواج المسلمة مِن كافر!:

جاء رد "حزب النهضة التونسي" في غاية الضعف، وبدا الأمر وكأنهم بصدد مقترح يتعلق بأي شأن دنيوي مباح، وليس بصدد تحريف لأحكامٍ قطعيةٍ في الشرعية الإسلامية؛ فأعلنوا عن إحالة الأمر إلى لجنة لدراسته، وإبداء الرأي فيه!

في حين خطى "عبد الفتاح مورو" نائب رئيس البرلمان التونسي، والقيادي بـ"حزب النهضة" خطوات أوسع مِن ذلك، حين أبدى تفهمًا لمسألة زواج المسلمة مِن غير المسلم، حيث قال: "إن التي تعلم أن هذا مخالف للشرع، ومع ذلك هي مصرة عليه؛ فلا يجب أن نمنعها!"، وعندما سألته المذيعة: هل يعني هذا وجوب إزالة المنشور الذي يَمنع زواج المسلمة مِن غير المسلم؟! قال: إن الناس يعرفون كيف يتحايلون على هذا المنشور، وأن مَن ترغب في الزواج مِن رجلٍ غير مسلم يسهل عليها الحصول على ورقةٍ صوريةٍ بإسلامه!

وأضاف: أما الميراث فيطبق على الورثة دون إرادتهم، وبمقتضى قانون عام فيحتاج الأمر فيه إلى دراسةٍ!

وهذا الموقف لعله يضع إخوان مصر "ومَن يدعمهم مِن القطبيين والسروريين" في مأزقٍ كبيرٍ: فإن الجماعة وداعميها منذ "30-6" وهم يأخذون منحنى تكفيريًّا صعبًا للغاية، فيكفـِّرون بالشبهة، وبالخطأ، وبما ليس بمكفر! وبما يظنونه قصدًا لأصحابه "وإن لم يكن عليه ثمة دليل!"، واستعانوا في هذا بطريقة تفسير وفهم جماعات التكفير لنصوص الشريعة، ولأقوال أهل العلم! وهم في كل مواقفهم كانوا ينسبون لـ"حزب النور" وللدعاة السلفيين الذين لم يسيروا في ركبهم أنهم راضون، ومِن ثَمَّ فلهم نفس حكم الفاعلين!

فماذا سيكون موقفهم مِن "حزب النهضة"؟!

لا سيما وهو مشارك في الحكم في تونس في ظل رئاسة "الباجي السبسي" في حين أن "حزب النور" في مصر ليس مشاركًا في الحكم، وإن كان مشاركًا في الحياة السياسية ينكر ما يراه مخالفًا للشريعة أو المصلحة العامة، ويوافق على ما يراه نافعًا وغير مصادم للشريعة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية