شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحريف أحكام "الميراث" في "تونس" وسقوط "الأقنعة!"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ردود فعل تكفيري الإخوان على موقف "حزب النهضة التونسي" مِن تصريحات "الرئيس التونسي":

التزم معظم الأفراد والهيئات الإخوانية الصمت تجاه القضية برمتها، ولم يعلـِّقوا عليها بقليلٍ أو كثيرٍ، في حين أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يتزعمه د."يوسف القرضاوي" بيانًا استنكر فيه تصريحات "الرئيس التونسي"، وتأييد "مفتي تونس" له، ولم يتعرض البيان لـ"حزب النهضة" في قليلٍ أو كثيرٍ.

ولعل أكثر ردود الفعل حدَّة كانت مِن "وجدي غنيم" الذي أصدر فيديو كفـَّر فيه "الرئيس التونسي"، ولم ينسَ أن يضيف "الرئيس المصري" على سبيل العلاوة مِن باب أن أفعالهما واحدة، على الرغم مِن أن الرئيس المصري، وفي موقف أقل خطرًا مِن هذا بكثير، ورغم رغبته في تبني اقتراحات معينة في موضوع الطلاق الشفهي؛ إلا أنه لما جاء رد هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف بأن هذا مخالف للشريعة لم يَمضِ قدمًا في هذا الاقتراح، وهذا مما يحسب له جزمًا (لو كنا نتكلم بمعايير إصلاحية، فأنتَ حينما تستنكر شيئًا كهذا ثم يتم العدول عنه، فأنتَ لا بد لك أن تقدر هذه الخطوة، وإن كان يوجد غيرها مما لم يصلح بعد، ولكن مَن يتكلم بمعايير ثورية يريد تراكم الأخطاء وتفاعلها، وعدم الرجوع عن أي منها، وإذا تم التراجع فيتم التعتيم عليه بغرض التهييج الثوري!).

وبالمناسبة: أطال "وجدي غنيم" في هذا الفيديو في السخرية ممن يقولون بالفرق بيْن النوع والعين، وأن الفعل قد يكون كفرًا، ولكن المعين لا يُكفـَّر حتى تُقام عليه الحجة (رغم إجماع أهل العلم على هذا المعنى، وإن اختلفوا في تطبيقه في بعض المواطن، وأظن أنه ربما يكون منها موقف الرئيس التونسي؛ لأن المسألة التي خاض فيها مِن المعلوم مِن الدين بالضرورة، ولكنها في زماننا ربما اعتراها بعض الشبهات مما ينزلها عن هذا الوصف، وتحتاج إلى إقامة الحجة).

المهم: "وجدي غنيم" لم يكن يكتفي في فيديوهاته بالفاعل، بل ربما ركز على مَن يرميهم بالرضا، والكل يذكر كيف استثمر أن ناديًا اجتماعيًّا صغيرًا يُسمَّى "نادي الطيران" أعطى جائزة الأم المثالية لراقصة ليكفـِّر كل مَن يناصبهم العداء: "الدولة والجيش والشرطة، وحزب النور!"، ويسب "أمهات" أعضاء "حزب النور" تحت دعوى أن كل هؤلاء راضون!

وقد أغفل في هذا الفيديو أمورًا:

منها: أن هذه الراقصة أخذتْ ذات الجائزة مِن ذات النادي سنة حكم د."محمد مرسي"، ومرَّ الأمر دون أن يعلم به أحدٌ.

ومنها: أن هذه الراقصة في تلك السَّنة التي وزع فيها اتهاماته على الجميع لما انتشر خبر فوزها بالجائزة "في اليوم التالي مباشرة" تم سحب الجائزة منها، واعتذر هذا النادي عن ذلك، فلم يكن هناك مجال للقول بأن هؤلاء رضوان أو حتى سكتوا أو... !

المهم "وجدي غنيم" ماذا فعل مع "حزب النهضة"؟!

لو سمعتَ الفيديو ستجد أنه عدَّل التكفير إلى نوعٍ مِن التوبيخ والتقريع والسخرية المعتادة منه في رد فعل يبدو أنه مدروس بعناية، ولكن كيف يمكن لشخصٍ واحدٍ أن يختلف حكمه على فعلين مِن جنسٍ واحدٍ بهذه الصورة المريبة؟!

والجواب: أن الاستعلاء الذي يُربَّى عليه الإخوان يقوم على "محورين"، دندن حولهما الأستاذ "حسن البنا" كثيرًا.

المحور الأول: أن إسلام الإخوان ليس كإسلام غيرهم، فهم وحدهم مَن فهم الإسلام فهمًا شاملًا (ربما قال هذا على أهل زمانه، ولكن الإخوان طردوا هذا الادعاء مع أنه لا يصدق حتى على أهل زمانه، وفيهم شيوخه، مثل: الأستاذ رشيد رضا، والأستاذ محب الدين الخطيب، وفيهم مَن هم مِن طبقة التلاميذ الأسبق منه لهؤلاء الشيوخ: كالشيخ محمد حامد الفقي، وبالطبع طرد هذا الادعاء عبْر الزمان مع النهضة العلمية التي ملأت العالم الإسلامي يعتبر مِن أكبر أزمات جماعة الإخوان!).

وأما المحور الثاني: فهو أن إيمان الإخوان ليس كإيمان غيرهم، فإيمان الإخوان جذوة في قلوبهم، وإيمان غيرهم إيمان خامل، وهذا المحور أمر وأدهى مِن المحور الأول؛ لأنه يتعلق بما في القلب، وهو مما يستحيل أن يعلمه إنسان مِن غيره!

ومِن هذين المحورين يتعامل الإخوان عمومًا مع أي تصرفٍ إخواني بغاية التقدير مِن الناحية "العلمية"، وغاية "حسن الظن قلبيًّا"، وإن حصل واهتزت الثقة في الأول؛ فلا يمكن بأي حال مِن الأحوال أن تهتز الثقة بالثاني، ولا يمكن أن يتعدى نقد أي فردٍ إخواني -مهما كان هذا الفرد جريئًا- لموقفٍ إخواني جانب التخطئة العلمية، كما فعل "وجدي غنيم" مع "نهضة تونس".

في حين تُحمَل تصرفات غير الإخواني عندهم على تشككهم في قدرته على تقدير الأمور، والموازنة بيْن المصالح والمفاسد؛ بالإضافة إلى التشكيك في نواياه، وهو الأهم والأخطر؛ فيسارعون إلى حمل كل موقف لخصومهم أيًّا ما يكن موقعهم على العداوة للدين وأهله!

وليس أدل على هذا مِن الفيديو الذي انتشر لأحد قياداتهم إبان انتخابات الرئاسة في مصر، يحذر الناس مِن انتخاب د."عبد المنعم أبو الفتوح"؛ لأنه إذا وصل للرئاسة فسوف يمنع الصلاة في المساجد، ويمنع الحجاب، وعندما آل الأمر إلى انتخابات إعادة بيْن د."مرسي" و"الفريق شفيق"، وأعلن "أبو الفتوح" تأييده لـ"مرسي"؛ وصفه د."عصام العريان" بالمجاهد الأكبر! (هكذا بين عشية وضحاها!).

إن تباين المواقف الإخوانية مِن تصريحات "الرئيس التونسي" وموقف "حزب النهضة" منها؛ يكشف جزءًا مهمًّا وجوهريًّا مِن الأزمة الفكرية لجماعة الإخوان التي يجب عليها أن تضعها على "مائدة المراجعات" إن كانت حقـًّا تريد أن تستفيد مِن أخطاء الماضي القريب والبعيد على حدٍّ سواء.

نسأل الله أن يهدينا وإياهم سواء السبيل.

الصفحة السابقة